الجمعة، 10 أبريل 2020

الانتظارات الكبيرة تثقل كاهل الرئيس مرسي

بقلم ليندا س. هيرد

Shutterstock ©

الوعود التي قُطِعت قبل الانتخابات تطارد من جديد أول رئيس منتخب بطريقة ديمقراطية في مصر، فيما يركّز جهوده على السياسة الخارجية والطرق التي من شأنها تحسين الاقتصاد المتعثّر، بقلم ليندا س. هيرد

الرئيس محمد مرسي في موقع لا يُحسَد عليه. لو تخيّل يوماً أنه سيصبح مثل الرئيس مبارك، لفكّر ملياً ربما قبل قبوله بتسلّم منصب الرئاسة. فكما قال الرئيس جورج دبليو بوش في عبارة شهيرة، إدارة نظام ديكتاتوري أسهل بكثير من إدارة نظام ديمقراطي. لقد أريقت دماء الشباب المصريين في الشوارع خلال نضالهم من أجل حياة أفضل. ومن المقرّر تحويل ميدان التحرير نصباً شاهداً على الثورة، لكن ربما كان في الأمر تسرَّعٌ نظراً إلى الصدامات العنيفة المتكرّرة بين الناشطين المناهضين للحكومة وأنصار مرسي داخل ذلك الميدان المزدحم بحركة السير وحوله.

علاوةً على ذلك، وعلى الرغم من أن مرسي استقال من "حزب الحرية والعدالة" التابع للإخوان المسلمين، إلا أن هناك اعتقاداً واسعاً لدى خصومه بأن الإخوان المسلمين يحرّكونه في الخفاء. لقد حرص على الظهور في صورة المعتدل، وبذل قصارى جهده كي يتفادى إثارة نفور المسيحيين الأقباط والليبراليين والنساء - لكن عدداً كبيراً من المصريين يشكّ في أنه يخفي أجندة بعيدة المدى، مشيرين إلى قيامه بتعيين أعضاء من الإخوان المسلمين في مناصب رفيعة في الحكومة والجيش والإعلام الرسمي. وتساورهم الشكوك أيضاً حيال الجمعية التأسيسية المؤلّفة من مئة عضو غالبيتهم من الإسلاميين، والتي كلّفها مرسي إعداد مسوّدة دستور جديد من المقرّر تنظيم استفتاء حوله في منتصف نوفمبر المقبل.

والدستور مسألة خلافية جداً، فالنص الذي ستتم الموافقة عليه في نهاية المطاف، أياً يكن، لن يحظى بإجماع الكل في هذا البلد الذي يعاني من الاستقطاب. تعترض السلطة القضائية على عدم تضمّنه مادّة تضمن استقلاليتها، والقضاة غاضبون جداً لأن المسوّدة الأولى التي نُشِرَت تمنح الرئيس سلطة تعيين رئيس القضاة.

والعلمانيون والأقباط قلقون من المادّة التي تنص على أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع، أما النساء التقدّميات فيتوجسّن من مادّة أخرى تنصّ على المساواة بين الرجل والمرأة مع الإشارة إلى أن الدولة ستضمن "توفيق المرأة بين واجباتها تجاه أسرتها وعملها في المجتمع". على الرغم من هذه الانتقادات العالية النبرة، قد تحظى المسوّدة بأكثرية ولو ضئيلة من الأصوات في الاستفتاء، شرط أن تلتزم قاعدة مرسي - المؤلّفة في شكل خاص من المحافظين الدينيين والطبقات الفقيرة والأقل تعلّماً في المجتمع - بالتصويت بـ"نعم".

لكن ثمة مؤشّرات بأن من يعيشون بدولارَين في اليوم والطبقات الوسطى الدنيا بدأوا يستاؤون من الرجل الذي تعهّد بتحقيق مائة وعد في أوّل مائة يوم له في المنصب، في حين أنه لم يفِ سوى بعشرة وعود وفقاً لموقع "مرسي ميتر" الإلكتروني الذي أطلقته منظمة "زاباتاك" غير الربحية. يسلّط منتقدوه الضوء على فشله في معالجة النقص في الوقود وأنابيب الغاز، ويقولون إن الوعود التي أطلقها بالتخفيف من الاختناقات المرورية، وتنظيف الطرقات من النفايات المتعفِّنة المتراكمة ، والحد من الجريمة، والقضاء على الفساد والرشاوى، لم تتحقّق. ويؤكّدون أنه أهدر الكثير من الوقت في التنقّل من بلد إلى آخر ولقاء رؤساء الدول من دون إيلاء اهتمام كافٍ للمشاكل الداخلية.

يُسجَّل لمرسي أنه نجح في خفض الأعداد التي تصطف أمام الأفران لشراء الخبز، وفي تحسين نوعية هذه السلعة المدعومة من الدولة، فهو لا يزال يتذكّر بالتأكيد أعمال الشغب التي حرّكها الرغيف في العام 1977 ثم في العام 2008. لكن ربما كانت هناك متاعب في الأفق. فقد تعهّدت حكومة مرسي، في إطار برنامجها للإصلاح الاقتصادي، بخفض 40 في المائة من الدعم الذي تقدّمه الدولة حالياً للوقود والذي يُشكّل خمس الإنفاق الحكومي، معلنةً أنه لم يعد بالإمكان تحمّل كلفتها، في حين أن الخطوة تهدف إلى الحصول على قرض من صندوق النقد الدولي قدره 4.8 مليارات دولار.

في الحقيقة، كانت وعود مرسي وآمال الناس غير واقعية إلى حد كبير نظراً إلى ضيق الوقت، ناهيك عن أن الاقتصاد يتخبّط لإظهار بوادر معافاة. البطالة في ارتفاع، والثقة الاستثمارية معدومة، والاحتياطي الأجنبي يتضاءل، والبورصة متقلّبة. لقد ولّت الأيام التي كان فيها المصريون ذوو الأحوال المتوسّطة يتمتّعون بالحس الظريف ويتحلّون بالصبر، وهذا ما تُظهره الإضرابات العمالية  المتلاحقة. يريدون أن يلمسوا نتائج في الحال، والمصريون بمختلف انتماءاتهم السياسية يشعرون بالمرارة لأن الثورة لم تُغيِّر الكثير.

على الصعيد الدولي، حظي مرسي باحترام شديد لإعادته الجيش المصري القوي الذي كان أشبه بدولة داخل الدولة، إلى ثكناته، وإطلاقه حملة للقضاء نهائياً على الإرهابيين في شبه جزيرة سيناء عبر اللجوء إلى القوة العسكرية التي خفّف من حدّتها من خلال التفاوض مع زعماء القرى البدوية. وقد هدأت إلى حد كبير المخاوف الأمريكية من قيام الرئيس المصري القادم من صفوف الإخوان المسلمين بإلغاء معاهدة السلام الموقَّعة بين مصر وإسرائيل في كامب  ديفيد. بيد أن مرسي يبعث برسائل متناقضة إلى الفلسطينيين. فقد اعتبر أن الدولة الفلسطينية أولوية قصوى، ورحّب بحرارة بممثّلين عن حركة "حماس". لكنه في الوقت نفسه تعرّض للانتقادات لإغلاقه أنفاقاً تُستخدَم لتهريب البضائع من رفح إلى غزة، وللمعاملة السيّئة التي يلقاها الزوّار الفلسطينيون على أيدي سلطات الحدود المصرية.

لقد تبنّى سياسة خارجية وصفها البعض بـ"المتوازنة" التي تضمن لمصر الاستقلال عن القوى الخارجية مع السعي في الوقت نفسه إلى الحفاظ على روابط ودّية معها. وكان دبلوماسياً في ردّه على تردّد الرئيس أوباما في اعتبار مصر حليفةً للولايات المتحدة، قائلاً إن البلدَين هما "صديقان حقيقيان" في نظره. وكانت الكلمة التي ألقاها في قمّة حركة عدم الانحياز في طهران، والتي وجّه فيها انتقادات لاذعة "للنظام القمعي" في سوريا، ثم تعبيره عن التضامن مع الشعب السوري في خطابه أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة، خير دليل على أنه ليس مستعدّاً لبيع مبادئه لإيران، حليفة سوريا الأولى، حتى مقابل حفنة من الدولارات التي هو بأمس الحاجة إليها.

أخيراً، مخطئ من يعتقد أن الزيارات التي قام بها مرسي إلى الخارج هي مجرّد رحلات للاستمتاع مدفوعة برغبة في الظهور. لقد وقّع اتّفاقات زراعية وبيئية وفي مجال الاتصالات السلكية واللاسلكية مع الصين التي أبدت استعدادها لمساعدة مصر على تحقيق المعافاة بمبلغ يصل إلى عشرة مليارات دولار. ولدى زيارته أنقرة، بنى تعاوناً وثيقاً مع حكومة أردوغان في ميادين متعدّدة، وعاد إلى بلاده وفي جعبته قرض قدره مليار دولار كجزء من حزمة مساعدات تركية تصل قيمتها إلى مليارَي دولار. وتعهّدت قطر أيضاً بتقديم مساعدات قدرها مليارا دولار. وفي خطوة مهمّة، أعاد رأب العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع السعودية. وفي يونيو الماضي، حوّلت الرياض 1.5 مليار دولار إلى القاهرة، وفتحت خطاً ائتمانياً قدره 750 مليون دولار لتسهيل استيراد مصر للمنتجات النفطية.

إذا نجح مرسي في ضبط التململ في الداخل وحرص على وصول جزء من تلك المساعدات على الأقل إلى الناس الأكثر عوزاً، وإذا تمكّن من السير على الحبل الرفيع الذي يفصل بين رفاقه القدامى في الإخوان المسلمين وباقي أبناء بلده لناحية الاختلاف في النظرة إلى العالم، ونجح في اكتساب المصداقية عبر الوفاء بوعوده، قد يفتح المستثمرون المحلّيون والأجانب جيوبهم من جديد. قد تكون خططه ومشاريعه سليمة، لكن كما كتبت جاين أوستن في "مانسفيلد بارك"، "المدخول الكبير هو أفضل وصفة للسعادة سمعت بها في حياتي". لا شك في أن ملايين الأشخاص الذين يعيشون في الفقر في مصر يوافقونها الرأي.

تعليق
الرجاء المحافظة على تعليقاتك ضمن قواعد الموقع. يرجي العلم انه يتم حذف أي تعليق يحتوي على أي روابط كدعاية لمواقع آخرى. لن يتم عرض البريد الإلكتروني ولكنه مطلوب لتأكيد مشاركتم.
المزيد من المقالات بقلم