الجمعة، 24 يناير 2020

سلسلة عن اقتصادات العالم: الصين عصر التنين

بقلم فابيو سكاكفيلاني

Shutterstock ©
Shutterstock ©

فيما يتخوّف العالم من تدهور الاقتصاد الصيني، يستعرض الخبير الاقتصادي فابيو سكاكيافياني كيف تفادت الصين الأزمة المالية العالمية، وتوقّعاته لما يمكن أن يحدث في المستقبل.

يعمل محرّك الاقتصاد العالمي بواسطة أربع أسطوانات: الولايات المتحدة وأوروبا واليابان والصين. ومنذ انطلاق الأزمة العالمية، هناك أسطوانة واحدة فقط تعمل بطريقة موثوقة: الصين.

فالخطة التحفيزية الواسعة النطاق التي وضعتها السلطات الصينية في العام 2008، حتى قبل استفحال الأزمة، ساهمت إلى حد كبير في التخفيف من تداعيات هذه الأزمة على الساحة العالمية. وتمكّنت الأسواق الناشئة، إنما أيضاً الاقتصادات المتقدِّمة مثل ألمانيا وكوريا وأستراليا، المرتبطة بالسلسلة التموينية للعملاق الآسيوي، من الخروج بسرعة من الركود الكبير.

ولذلك ليس مفاجئاً أن واضعي السياسات ومديري الأصول حول العالم يتوجّسون من تدهور الاقتصاد الصيني. وتشتدّ هذه المخاوف - التي تخيّم دائماً على الأجواء بسبب الفقّاعة في القطاع العقاري وافتقار القطاع المصرفي إلى الشفافية - بعد البيانات الضعيفة التي سجّلها القطاع الصناعي والأداء الضعيف للصادرات طيلة خمسة أشهر متتالية. ففي مارس مثلاً، استمرّ مؤشّر مديري المشتريات الذي يضعه مصرف “إيتش إس بي سي” في التراجع. الطلبات الصناعية الجديدة قريبة من الحد الأدنى، ويسجّل التوظيف أدنى مستوياته منذ عامَين.

ولا شك في أن إعلان الصين عن تراجع طفيف في معدّل النمو المتوقّع في السنوات القليلة المقبلة من 8 في المائة إلى 7.5 في المائة، زاد من القلق في العالم.

فهذا الرقم أقل بكثير من مستوى الأرقام المزدوجة التي اعتدناها في العقود الماضية. لقد توقّع معظم الخبراء الاقتصاديين هذا التباطؤ، إلا أنه جاء في ظروف حسّاسة ويزيد من الالتباس الذي يقضّ مضجع المستثمرين الذين يشعرون أصلاً بالتوتّر الشديد.

لكن للوتيرة الأبطأ التي يسير بها القطار الصيني تداعيات كمّية ونوعية تعكس اتّجاهَين كبيرين: انحسار الموجة الديمغرافية والتحوّل نحو مجتمع ناضج وأكثر شمولاً. في المدى الطويل، الجانب الأخير هو الذي سيولّد مزيداً من الآثار العميقة والإيجابية في معظمها.
على الرغم من التقدّم الهائل الذي أحرزته الصين بسرعة كبيرة، لا يزال مشهد المناطق الساحلية والمدن الكبرى النابضة بالحياة يتناقض مع الفقر المستشري في المناطق الداخلية والريفية. فالصين تمرّ في شكل أساسي في مرحلة انتقالية من اقتصاد يعتمد إلى حد كبير على الاكتفاء الذاتي إلى اقتصاد مرتفع الدخل. وقد أدركت القيادة الحالية أن النموذج الذي تقوده الصادرات ويستند إلى العمالة الرخيصة استنفد إمكاناته، وأنه يجب أن يعتمد الاقتصاد على قطاعات الخدمات ذات القيمة المضافة العالية.

هذا هو بالضبط الهدف الذي وضعته القيادة الحالية لخليفتها التي سيُعيّنها المؤتمر الثامن عشر للحزب الشيوعي في أكتوبر المقبل. وقد شدّد رئيس الوزراء وين الذي ركّز على “نوعيّة” النمو وليس على كمّيته فقط، على أهمّية الانتقال من الاستثمار والصادرات إلى نمو يقوده المستهلك، والذي من شأنه أن يؤدّي إلى معالجة اختلالات التوازن الراهنة في رصيد الحساب بين الصين والولايات المتحدة، وهو أمر ضروري جداً.

سوف “تنتخب” اللجنة المركزية الجديدة مكتباً سياسياً من نحو 25 عضواً، ولأول مرة منذ 20 عاماً، لن يجلس الرئيس هوجينتاو ورئيس الوزراء وين كعضوَين فيه. ثم في العام 2013، سوف يعتزل كلاهما الحياة السياسية النشطة، في ما يشكّل التغيير الأكثر جذرية للقيادة منذ عقد كامل.
خلف الكواليس، تحتدم المعركة لتحديد مسار السياسة الصينية، وفي تطوّر غير معتاد، انفجرت إلى العلن في مارس الماضي مع طرد الزعيم المحافظ بو شيلاي، أمين سر الحزب في تشونغتشينغ. وكان مؤيّدوه يتألّفون من التقليديين، وعمّال المصانع المملوكة من الدولة، والبيروقراطيين، والمفكّرين المتمسّكين بالمثل العليا الشيوعية.

تمهّد هذه الواقعة الطريق لانتصار المعسكر “الإصلاحي”، وتعني أن الصين قد تحقّق تقدّماً على ثلاث جبهات: اعتماد منظومة شاملة للتقاعد، وكذلك في مجال الرعاية الصحية العامة والتحرير المالي.

وفي قطيعة واضحة ومهمة مع التقليد الذي اتّجه دائماً إلى رفض التأثير الأجنبي، تجسّدت خريطة الطريق للسير نحو الأمام في تقرير صادر عن البنك الدولي تحت عنوان مقتضب “الصين 2030” وقد شارك في وضعه مركز البحوث الإنمائية التابع لمجلس الدولة، وهو مركز أبحاث ودراسات ذو تأثير واسع يقدّم الاستشارات للحكومة، ولا سيما وزارة المال.

تحت عناوين واضحة وصريحة مثل “إصلاحات هيكلية لاقتصاد مستند إلى السوق”، و”زيادة وتيرة الابتكار”، و”فرصة التنمية الخضراء”، و”فرص متساوية وأمن أساسي للجميع”، يؤكّد التقرير أنه كي تصبح الصين مجتمعاً عالي الدخل بحلول العام 2030، يتعيّن عليها أن تغيّر سياستها وإطارها المؤسّسي.

لا يكتفي التقرير بهذا الكلام الشديد الوضوح والصراحة، بل يدعو أيضاً إلى تعزيز المساواة والحماية الاجتماعية للجميع، وتثبيت دعائم النظام المالي، والعمل على مواصلة دمج الصين في الأسواق العالمية.

غالب الظن أن التقدّم الأكثر فورية سيُسجَّل في مجال التحرير المالي الذي يقوده بنك الشعب الصيني - أي المصرف المركزي الذي لطالما اعتُبِر معقلاً للإصلاحيين - مما يؤدّي إلى التسريع في سقوط سياسة السيطرة على الرأسمالية التي تهدف إلى جعل اليوان الصيني عملة احتياطية عالمية.

فضلاً عن ذلك، بدأ التخفيف من وطأة السياسات القمعية من خلال أحكام جديدة توضَع قيد التنفيذ كل شهر تقريباً، في مجال الدخل الثابت، وأسعار صرف العملات، ونشاطات المستثمرين الأجانب. وفي خطوة أساسية، باتت السلطات تقرّ بالحاجة الملحّة إلى رفع الحواجز أمام تدفّق الرأسمالية الدولية وتعزيز سوق مالية محلّية نابضة بالحياة.

بحلول العام 2015، من المتوقّع أن تساهم الصين في صعود نظرة أكثر توازناً إلى النمو، ونتيجةً لذلك يُتوقَّع أن يتحوّل الفائض في رصيد الحساب الجاري عجزاً، وسوف تصبح الصين مستورِدة صافية للرأسمالية.

إذا تحلّت القيادة الجديدة في ظل الرئيس المقبل شي جين بينغ بالقوة السياسية والعزم لتطبيق الأجندة التي حدّدها تقرير “الصين 2030”، فإن المسيرة الطويلة لبلوغ اقتصاد السوق سوف تكتمل في غضون عشرين عاماً، وعلى الأرجح أن الصين ستصبح الاقتصاد الأكبر في العالم، على الرغم من أن الدخل الفردي سيظلّ يشكّل جزءاً صغيراً من متوسّط الدخل الفردي في الاقتصادات المتقدِّمة.

هذه الثغرة في المداخيل تعني أنه سيبقى هناك مجال للتوسّع أكثر فأكثر، شرط ألا تتحوّل المسائل البيئية والأمن الغذائي إلى اختناقات يتعذّر تخطّيها. المسرح مهيّأ لما قد تسمّيه كتب التاريخ ذات يوم “عصر التنين”.

تعليق
الرجاء المحافظة على تعليقاتك ضمن قواعد الموقع. يرجي العلم انه يتم حذف أي تعليق يحتوي على أي روابط كدعاية لمواقع آخرى. لن يتم عرض البريد الإلكتروني ولكنه مطلوب لتأكيد مشاركتم.
المزيد من المقالات بقلم