الجمعة، 05 يونيو 2020

كفى تعزيةً بالضحايا! مكافحة الإرهاب تقتضي إيجاد حلولاً عالمية

بقلم خلف أحمد الحبتور

© Shutterstock

تغير عالمنا‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬كما‭ ‬عرفته‭ ‬طوال‭ ‬حياتي‭. ‬لطالما‭ ‬وضع‭ ‬المحاربون‭ ‬والجنود‭ ‬حياتهم‭ ‬على‭ ‬المحك‭ ‬خلال‭ ‬النزاعات‭ ‬المسلحة،‭ ‬ولطالما‭ ‬سقط‭ ‬الأبرياء‭ ‬تحت‭ ‬النيران‭ ‬والقصف‭. ‬لكن‭ ‬في‭ ‬الأزمنة‭ ‬الحالية،‭ ‬أصبحنا‭ ‬جميعنا‭ ‬أهدافاً‭ ‬محتملين‭ ‬لطقوس‭ ‬الموت‭ ‬الشاذّة‭ ‬التي‭ ‬يحظى‭ ‬بعض‭ ‬أتباعها‭ ‬بالدعم‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬تتحرك‭ ‬خلف‭ ‬الكواليس،‭ ‬فيفجّرون‭ ‬الأطفال‭ ‬ويقتلونهم‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يرفّ‭ ‬لهم‭ ‬جفن‭. ‬معذورٌ‭ ‬من‭ ‬يعتقد‭ ‬أن‭ ‬جنساً‭ ‬شريراً‭ ‬جديداً‭ ‬قد‭ ‬أبصر‭ ‬النور؛‭ ‬جنساً‭ ‬يشبه‭ ‬الكائنات‭ ‬البشرية‭ ‬إنما‭ ‬مجرّدٌ‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬المشاعر‭ ‬الإنسانية‭.‬

تعرّضت‭ ‬#فرنسا‭ ‬لثمانية‭ ‬هجمات‭ ‬إرهابية‭ ‬منذ‭ ‬الاعتداء‭ ‬على‭ ‬مجلة‭ "‬شارلي‭ ‬إيبدو‭" ‬ومقتل‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬موظفيها‭ ‬في‭ ‬يناير‭ ‬2015‭. ‬تبنّى‭ ‬التنظيم‭ ‬المسمّى‭ "‬الدولة‭ ‬الإسلامية‭" ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الهجمات،‭ ‬لكنه‭ ‬انتهز‭ ‬الفرصة‭ ‬مؤخراً‭ ‬ليدّعي‭ ‬أنه‭ "‬مصدر‭ ‬الإلهام‭" ‬خلف‭ ‬الهجوم‭ ‬الذي‭ ‬استهدف‭ ‬يوم‭ ‬الخميس‭ ‬الماضي‭ ‬سياحاً‭ ‬أجانب‭ ‬ومواطنين‭ ‬فرنسيين‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬الأديان‭ ‬والأعراق‭ ‬كانوا‭ ‬متجمّعين‭ ‬في‭ ‬المتنزه‭ ‬في‭ ‬#نيس،‭ ‬عاصمة‭ ‬الريفييرا‭ ‬الفرنسية،‭ ‬للاحتفال‭ ‬بالعيد‭ ‬الوطني‭ ‬الفرنسي‭. ‬يمكن‭ ‬تفسير‭ ‬الرسالة‭ ‬التي‭ ‬وجّهها‭ ‬التنظيم‭ ‬بأنها‭ ‬إقرار‭ ‬بأنه‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬له‭ ‬بالهجوم‭ ‬لكنه‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬استغلاله‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الأحوال‭.‬

يغيّر‭ ‬هذا‭ ‬الهجوم‭ ‬قواعد‭ ‬اللعبة‭ ‬من‭ ‬نواحٍ‭ ‬كثيرة‭.‬

في‭ ‬14‭ ‬يوليو‭ ‬الجاري،‭ ‬تحوّلت‭ ‬شاحنة‭ ‬عادية‭ ‬سلاحاً‭ ‬في‭ ‬يد‭ ‬محمد‭ ‬لحويج‭ ‬بوهلال،‭ ‬وهو‭ ‬فرنسي‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬تونسي‭ ‬كان‭ ‬يعمل‭ ‬سائق‭ ‬توصيل،‭ ‬وقد‭ ‬تمكّن‭ ‬من‭ ‬قتل‭ ‬84‭ ‬شخصاً‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ (‬بينهم‭ ‬عشرة‭ ‬أطفال‭) ‬وإصابة‭ ‬202‭ ‬آخرين‭ ‬بجروح‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬اسمه‭ ‬مدرَجاً‭ ‬على‭ ‬قائمة‭ ‬الإرهابيين‭ ‬الذين‭ ‬يخضعون‭ ‬للمراقبة،‭ ‬وكان‭ ‬قد‭ ‬أدين‭ ‬سابقاً‭ ‬في‭ ‬جرائم‭ ‬صغيرة‭ ‬فقط‭. ‬تشير‭ ‬التقارير‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬لديه‭ ‬ميول‭ ‬دينية‭. ‬لكن‭ ‬بعد‭ ‬توقيف‭ ‬أشخاص‭ ‬آخرين‭ ‬على‭ ‬صلة‭ ‬به،‭ ‬بدأنا‭ ‬نشهد‭ ‬على‭ ‬تداعي‭ ‬النظرية‭ ‬التي‭ ‬تعتبر‭ ‬أنه‭ ‬تصرفٌ‭ ‬أحادي‭ ‬معزول‭. ‬وقد‭ ‬أنكرت‭ ‬كل‭ ‬المساجد‭ ‬في‭ ‬#نيس‭ ‬ومحيطها‭ ‬معرفتها‭ ‬به‭.‬

من‭ ‬شبه‭ ‬المستحيل‭ ‬فهم‭ ‬دوافعه‭ ‬ودوافع‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬مرتكبي‭ ‬المجازر‭ ‬الجماعية؛‭ ‬ربما‭ ‬حظي‭ ‬بوهلال‭ ‬بالدعم‭ ‬من‭ ‬دولة‭ ‬معادية‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬زعزعة‭ ‬الاستقرار‭ ‬في‭ ‬#أوروبا‭ ‬وإضعاف‭ ‬#فرنسا‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص‭. ‬لكن‭ ‬السؤال‭ ‬المحيّر‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يدفع‭ ‬بمواطني‭ ‬الديمقراطيات‭ ‬الثرية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الأول،‭ ‬حيث‭ ‬المواطنون‭ ‬مثقّفون‭ ‬ويتمتعون‭ ‬بالحريات‭ ‬المدنية،‭ ‬إلى‭ ‬الجنوح‭ ‬نحو‭ ‬الإرهاب،‭ ‬وذلك‭ ‬على‭ ‬النقيض‭ ‬من‭ ‬الشعوب‭ ‬المضطهدة‭ ‬في‭ ‬#سوريا‭ ‬والعراق‭ ‬المعرَّضة‭ ‬لخروج‭ ‬مشاعرها‭ ‬عن‭ ‬السيطرة؟‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬دورٌ‭ ‬لعنصر‭ ‬المال‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬ممكناً‭ ‬لأي‭ ‬جهاز‭ ‬استخباراتي‭ ‬امتلاك‭ ‬معلومات‭ ‬مسبقة‭ ‬عن‭ ‬الهجوم،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أنه‭ ‬عند‭ ‬الاستماع‭ ‬إلى‭ ‬المحلّلين‭ ‬عبر‭ ‬شاشات‭ ‬التلفزة،‭ ‬يُخيَّل‭ ‬إلينا‭ ‬أن‭ ‬الحل‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬تشارُك‭ ‬الاستخبارات‭ ‬بين‭ ‬الدول‭. ‬قد‭ ‬ينجح‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات،‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ليحول‭ ‬دون‭ ‬وقوع‭ ‬هذا‭ ‬الهجوم‭. ‬يستطيع‭ ‬أيٌّ‭ ‬كان‭ ‬الاستحواذ‭ ‬على‭ ‬سلاح‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬كان‭ ‬مصمماً‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬واستئجار‭ ‬شاحنة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يثير‭ ‬الأمر‭ ‬أي‭ ‬شبهات،‭ ‬وهذا‭ ‬مقلق‭ ‬للغاية‭.‬

‭"‬حزب‭ ‬الله‭" ‬هو‭ ‬من‭ ‬ابتكر‭ ‬استخدام‭ ‬الشاحنة‭ ‬آلةً‭ ‬للقتل‭. ‬قال‭ ‬رجل‭ ‬#إيران،‭ ‬أمين‭ ‬عام‭ "‬حزب‭ ‬الله‭"‬،‭ ‬حسن‭ ‬نصرالله،‭ ‬في‭ ‬خطاب‭ ‬ألقاه‭ ‬قبل‭ ‬بضعة‭ ‬أعوام‭: "‬إن‭ ‬الذي‭ ‬يركب‭ ‬شاحنته‭ ‬ويدخل‭ ‬إلى‭ ‬قلاع‭ ‬العدو‭ ‬ليفجّر‭ ‬نفسه‭ ‬ويستشهد،‭ ‬يدخل‭ ‬مطمئن‭ ‬القلب،‭ ‬ومبتسماً،‭ ‬وسعيداً‭"‬،‭ ‬حتى‭ ‬إنه‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬تمجيد‭ ‬موت‭ ‬هؤلاء‭ ‬القتلة‭ ‬مشبِّهاً‭ ‬إياهم‭ ‬بمن‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬حمام‭ ‬سونا‭ ‬ساخن‭ ‬إلى‭ ‬غرفة‭ ‬منعشة‭ ‬وهانئة‭.‬

يكافئون‭ ‬#إيران‭ ‬على‭ ‬كونها‭ ‬الراعية‭ ‬الأكبر‭ ‬للإرهاب‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬لديها‭ ‬خلايا‭ ‬نائمة‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬البلدان،‭ ‬واتفاقها‭ ‬النووي‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لم‭ ‬يحقق‭ ‬شيئاً‭ ‬لكبح‭ ‬نواياها‭ ‬الشريرة‭ ‬ضد‭ ‬العالم‭ ‬الغربي‭. ‬يجب‭ ‬وضع‭ ‬أنشطتها‭ ‬تحت‭ ‬المجهر‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تتستّر‭ ‬أجهزة‭ ‬الاستخبارات‭ ‬الغربية‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الأنشطة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬مصالحها‭ ‬الوطنية‭.‬

يقتضي‭ ‬اجتثاث‭ ‬آفة‭ ‬الإرهاب‭ ‬تطبيق‭ ‬استراتيجية‭ ‬هرمية‭ ‬من‭ ‬الأعلى‭ ‬إلى‭ ‬الأسفل‭ ‬وليس‭ ‬العكس‭. ‬الحل‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬التخلص‭ ‬من‭ ‬مستعمرة‭ ‬للنمل‭ ‬هو‭ ‬تدمير‭ ‬الوكر‭ ‬وقتل‭ ‬الملكة‭. ‬لا‭ ‬فائدة‭ ‬من‭ ‬الدوس‭ ‬على‭ ‬النمل،‭ ‬الواحدة‭ ‬تلو‭ ‬الأخرى،‭ ‬لأنه‭ ‬سيولّد‭ ‬مزيدٌ‭ ‬من‭ ‬النمل‭. ‬بعبارة‭ ‬أخرى،‭ ‬ينبغي‭ ‬على‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬أن‭ ‬يتكاتف‭ ‬لتطهير‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الراعية‭ ‬للإرهاب،‭ ‬ومن‭ ‬كبار‭ ‬رموزه‭ ‬ومموّليه‭ ‬ومروّجيه‭ ‬قبل‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬العناصر‭ ‬الصغار‭.‬

في‭ ‬الحقيقة،‭ ‬ساهمت‭ ‬بعض‭ ‬القوى‭ ‬الغربية،‭ ‬على‭ ‬مر‭ ‬العقود،‭ ‬في‭ ‬المشكلات‭ ‬التي‭ ‬نواجهها،‭ ‬وذلك‭ ‬عبر‭ ‬التواطؤ‭ ‬مع‭ ‬المتطرفين‭ ‬المسلحين‭ ‬والعقائديين‭ ‬الخطرين‭ ‬تحقيقاً‭ ‬لمآربها‭ ‬الخاصة‭. ‬يجب‭ ‬ألا‭ ‬ننسى‭ ‬أن‭ ‬#فرنسا‭ ‬احتضنت‭ ‬آية‭ ‬الله‭ ‬الخميني‭ ‬خلال‭ ‬وجوده‭ ‬في‭ ‬المنفى،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬كانت‭ "‬هيئة‭ ‬الإذاعة‭ ‬البريطانية‭" (‬بي‭ ‬بي‭ ‬سي‭) ‬–‭ ‬التي‭ ‬لقّبها‭ ‬الإيرانيون‭ ‬بـ‭"‬بي‭ ‬بي‭ ‬سي‭ ‬آية‭ ‬الله‭" ‬–‭ ‬تبثّ‭ ‬رسائله‭.‬

دعمت‭ ‬وكالة‭ ‬الاستخبارات‭ ‬المركزية‭ ‬الأمريكية‭ (‬سي‭ ‬آي‭ ‬أيه‭) ‬وأجهزة‭ ‬الاستخبارات‭ ‬البريطانية‭ ‬المتطرفين‭ ‬لمنع‭ ‬صعود‭ ‬القومية‭ ‬العربية‭ ‬أو‭ ‬لإسقاط‭ ‬القادة‭ ‬غير‭ ‬المتعاونين‭. ‬التحالفات‭ ‬الغامضة‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وحلفائها‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬والمتشددين‭ ‬والميليشيات‭ ‬في‭ ‬أفغانستان‭ ‬والعراق‭ ‬وسوريا‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬ثانية‭ ‬أمرٌ‭ ‬معلوم‭. ‬اعتقدنا‭ ‬أن‭ ‬الغرب‭ ‬تعلّم‭ ‬الدرس‭ ‬بأن‭ ‬من‭ ‬يلعب‭ ‬بالنار‭ ‬يحرق‭ ‬أصابيعه‭.‬

المناورات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬أو‭ ‬المصالح‭ ‬الاقتصادية‭ ‬يجب‭ ‬ألا‭ ‬تتفوّق‭ ‬أبداً‭ ‬على‭ ‬قدسية‭ ‬الحياة‭ ‬البشرية‭. ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬شن‭ ‬حروب‭ ‬أو‭ ‬اجتياحات‭ ‬بدافع‭ ‬المصالح‭ ‬الذاتية‭ ‬للدول،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يُنظَر‭ ‬بعجرفة‭ ‬إلى‭ ‬مقتل‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف‭ ‬بأنه‭ "‬أضرار‭ ‬جانبية‭". ‬النتيجة‭ ‬المنطقية‭ ‬لهذا‭ ‬كله‭ ‬هي‭ ‬انتشار‭ ‬الكراهية‭ ‬والرغبة‭ ‬في‭ ‬الثأر‭.‬

#فرنسا‭ ‬بلدٌ‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬حرب‭ ‬وعدوها‭ ‬غير‭ ‬منظور،‭ ‬إنه‭ ‬عدو‭ ‬داخلي‭. ‬اللافت‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬المزاج‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬تحوّل‭ ‬من‭ ‬التضامن‭ ‬مع‭ ‬الحكومة‭ ‬والقوى‭ ‬الأمنية‭ ‬إلى‭ ‬الغضب‭. ‬قابلت‭ ‬الحشود‭ ‬موكب‭ ‬الرئيس‭ ‬فرانسوا‭ ‬هولاند‭ ‬بصيحات‭ ‬الاستهجان‭ ‬خلال‭ ‬مروره‭ ‬في‭ ‬#نيس‭ ‬يوم‭ ‬الجمعة‭ ‬الماضي،‭ ‬ويمكنه‭ ‬أن‭ ‬يتوقع‭ ‬رد‭ ‬فعل‭ ‬سياسياً‭ ‬عنيفاً‭ ‬بسبب‭ ‬عجز‭ ‬حكومته‭ ‬عن‭ ‬حماية‭ ‬مواطنيها‭. ‬الرابح‭ ‬سيكون‭ ‬أقصى‭ ‬اليمين‭. ‬فقد‭ ‬تتحقق‭ ‬أوهام‭ ‬مارين‭ ‬لوبن،‭ ‬رئيسة‭ "‬الجبهة‭ ‬الوطنية‭" ‬المحافظة،‭ ‬التي‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬دخول‭ ‬قصر‭ ‬الإليزيه‭ ‬الصيف‭ ‬المقبل‭.‬

يستغل‭ ‬المرشح‭ ‬الجمهوري‭ ‬للرئاسة‭ ‬الأمريكية‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬الوضع‭. ‬فقد‭ ‬أعلن‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ "‬في‭ ‬حالة‭ ‬حرب‭"‬،‭ ‬وقال‭ ‬إنه‭ ‬من‭ ‬شأن‭ "‬التشدد‭"‬‭ ‬في‭ ‬التدقيق‭ ‬في‭ ‬الأوراق‭ ‬الثبوتية‭ ‬أن‭ ‬يحول‭ ‬دون‭ ‬دخول‭ ‬أشخاص‭ ‬من‭ "‬المناطق‭ ‬الإرهابية‭" ‬إلى‭ ‬#أمريكا‭. ‬عند‭ ‬وقوع‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الهجمات،‭ ‬تحصل‭ ‬شعبيته‭ ‬على‭ ‬جرعة‭ ‬زخم،‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يتيح‭ ‬له‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬نظراً‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬نسبة‭ ‬التأييد‭ ‬للمرشحة‭ ‬الديمقراطية‭ ‬المنافسة‭ ‬له،‭ ‬هيلاري‭ ‬كلينتون‭.‬

يقول‭ ‬الجمهوري‭ ‬نيوت‭ ‬غينغريتش،‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬النواب‭ ‬الأمريكي‭ ‬سابقاً،‭ ‬إنه‭ ‬يجب‭ ‬إجراء‭ ‬اختبار‭ ‬للمسلمين‭ ‬لمعرفة‭ ‬إذا‭ ‬كانوا‭ ‬يؤمنون‭ ‬بالشريعة‭ ‬الإسلامية،‭ ‬وفي‭ ‬حال‭ ‬جاءت‭ ‬النتيجة‭ ‬إيجابية،‭ ‬يجب‭ ‬ترحيلهم‭. ‬هذه‭ ‬الخطوة‭ ‬غير‭ ‬دستورية‭ ‬ومثيرة‭ ‬للانقسام،‭ ‬لا‭ ‬بل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬لن‭ ‬تجعل‭ ‬الدول‭ ‬أكثر‭ ‬أماناً،‭ ‬لأن‭ ‬معظم‭ ‬الهجمات‭ ‬الإرهابية‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وأوروبا‭ ‬ارتكبها‭ ‬مجرمون‭ ‬فاشلون‭ ‬غير‭ ‬متديّنين‭.‬

إذا‭ ‬لم‭ ‬تُجرِ‭ ‬الحكومات‭ ‬مجتمعةً‭ ‬تغييرات‭ ‬هائلة‭ ‬في‭ ‬السياسات‭ ‬الراهنة‭ ‬لضرب‭ ‬الإرهاب‭ ‬في‭ ‬منبعه،‭ ‬وتكفّ‭ ‬عن‭ ‬فرش‭ ‬السجاد‭ ‬الأحمر‭ ‬للدول‭ ‬الراعية‭ ‬للإرهاب،‭ ‬سوف‭ ‬يُشيَّد‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬النصب‭ ‬تخليداً‭ ‬لذكرى‭ ‬الضحايا‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬القارات،‭ ‬وسوف‭ ‬تصبح‭ ‬المعيار‭ ‬الجديد‭. ‬نظراً‭ ‬إلى‭ ‬احتمال‭ ‬وصول‭ ‬ترامب‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض،‭ ‬ولوبن‭ ‬إلى‭ ‬قصر‭ ‬الإليزيه،‭ ‬وبوريس‭ ‬جونسون‭ ‬الجامح‭ ‬إلى‭ ‬منصب‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬البريطاني،‭ ‬تكاد‭ ‬تنعدم‭ ‬الآمال‭ ‬بأن‭ ‬تسود‭ ‬الحكمة‭ ‬في‭ ‬عالمنا‭.‬

عالمنا‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬كما‭ ‬عرفته‭ ‬طوال‭ ‬حياتي‭. ‬لطالما‭ ‬وضع‭ ‬المحاربون‭ ‬والجنود‭ ‬حياتهم‭ ‬على‭ ‬المحك‭ ‬خلال‭ ‬النزاعات‭ ‬المسلحة،‭ ‬ولطالما‭ ‬سقط‭ ‬الأبرياء‭ ‬تحت‭ ‬النيران‭ ‬والقصف‭. ‬لكن‭ ‬في‭ ‬الأزمنة‭ ‬الحالية،‭ ‬أصبحنا‭ ‬جميعنا‭ ‬أهدافاً‭ ‬محتملين‭ ‬لطقوس‭ ‬الموت‭ ‬الشاذّة‭ ‬التي‭ ‬يحظى‭ ‬بعض‭ ‬أتباعها‭ ‬بالدعم‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬تتحرك‭ ‬خلف‭ ‬الكواليس،‭ ‬فيفجّرون‭ ‬الأطفال‭ ‬ويقتلونهم‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يرفّ‭ ‬لهم‭ ‬جفن‭. ‬معذورٌ‭ ‬من‭ ‬يعتقد‭ ‬أن‭ ‬جنساً‭ ‬شريراً‭ ‬جديداً‭ ‬قد‭ ‬أبصر‭ ‬النور؛‭ ‬جنساً‭ ‬يشبه‭ ‬الكائنات‭ ‬البشرية‭ ‬إنما‭ ‬مجرّدٌ‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬المشاعر‭ ‬الإنسانية‭.‬

تعرّضت‭ ‬#فرنسا‭ ‬لثمانية‭ ‬هجمات‭ ‬إرهابية‭ ‬منذ‭ ‬الاعتداء‭ ‬على‭ ‬مجلة‭ "‬شارلي‭ ‬إيبدو‭" ‬ومقتل‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬موظفيها‭ ‬في‭ ‬يناير‭ ‬2015‭. ‬تبنّى‭ ‬التنظيم‭ ‬المسمّى‭ "‬الدولة‭ ‬الإسلامية‭" ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الهجمات،‭ ‬لكنه‭ ‬انتهز‭ ‬الفرصة‭ ‬مؤخراً‭ ‬ليدّعي‭ ‬أنه‭ "‬مصدر‭ ‬الإلهام‭" ‬خلف‭ ‬الهجوم‭ ‬الذي‭ ‬استهدف‭ ‬يوم‭ ‬الخميس‭ ‬الماضي‭ ‬سياحاً‭ ‬أجانب‭ ‬ومواطنين‭ ‬فرنسيين‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬الأديان‭ ‬والأعراق‭ ‬كانوا‭ ‬متجمّعين‭ ‬في‭ ‬المتنزه‭ ‬في‭ ‬#نيس،‭ ‬عاصمة‭ ‬الريفييرا‭ ‬الفرنسية،‭ ‬للاحتفال‭ ‬بالعيد‭ ‬الوطني‭ ‬الفرنسي‭. ‬يمكن‭ ‬تفسير‭ ‬الرسالة‭ ‬التي‭ ‬وجّهها‭ ‬التنظيم‭ ‬بأنها‭ ‬إقرار‭ ‬بأنه‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬له‭ ‬بالهجوم‭ ‬لكنه‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬استغلاله‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الأحوال‭.‬

يغيّر‭ ‬هذا‭ ‬الهجوم‭ ‬قواعد‭ ‬اللعبة‭ ‬من‭ ‬نواحٍ‭ ‬كثيرة‭.‬

في‭ ‬14‭ ‬يوليو‭ ‬الجاري،‭ ‬تحوّلت‭ ‬شاحنة‭ ‬عادية‭ ‬سلاحاً‭ ‬في‭ ‬يد‭ ‬محمد‭ ‬لحويج‭ ‬بوهلال،‭ ‬وهو‭ ‬فرنسي‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬تونسي‭ ‬كان‭ ‬يعمل‭ ‬سائق‭ ‬توصيل،‭ ‬وقد‭ ‬تمكّن‭ ‬من‭ ‬قتل‭ ‬84‭ ‬شخصاً‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ (‬بينهم‭ ‬عشرة‭ ‬أطفال‭) ‬وإصابة‭ ‬202‭ ‬آخرين‭ ‬بجروح‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬اسمه‭ ‬مدرَجاً‭ ‬على‭ ‬قائمة‭ ‬الإرهابيين‭ ‬الذين‭ ‬يخضعون‭ ‬للمراقبة،‭ ‬وكان‭ ‬قد‭ ‬أدين‭ ‬سابقاً‭ ‬في‭ ‬جرائم‭ ‬صغيرة‭ ‬فقط‭. ‬تشير‭ ‬التقارير‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬لديه‭ ‬ميول‭ ‬دينية‭. ‬لكن‭ ‬بعد‭ ‬توقيف‭ ‬أشخاص‭ ‬آخرين‭ ‬على‭ ‬صلة‭ ‬به،‭ ‬بدأنا‭ ‬نشهد‭ ‬على‭ ‬تداعي‭ ‬النظرية‭ ‬التي‭ ‬تعتبر‭ ‬أنه‭ ‬تصرفٌ‭ ‬أحادي‭ ‬معزول‭. ‬وقد‭ ‬أنكرت‭ ‬كل‭ ‬المساجد‭ ‬في‭ ‬#نيس‭ ‬ومحيطها‭ ‬معرفتها‭ ‬به‭.‬

من‭ ‬شبه‭ ‬المستحيل‭ ‬فهم‭ ‬دوافعه‭ ‬ودوافع‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬مرتكبي‭ ‬المجازر‭ ‬الجماعية؛‭ ‬ربما‭ ‬حظي‭ ‬بوهلال‭ ‬بالدعم‭ ‬من‭ ‬دولة‭ ‬معادية‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬زعزعة‭ ‬الاستقرار‭ ‬في‭ ‬#أوروبا‭ ‬وإضعاف‭ ‬#فرنسا‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص‭. ‬لكن‭ ‬السؤال‭ ‬المحيّر‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يدفع‭ ‬بمواطني‭ ‬الديمقراطيات‭ ‬الثرية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الأول،‭ ‬حيث‭ ‬المواطنون‭ ‬مثقّفون‭ ‬ويتمتعون‭ ‬بالحريات‭ ‬المدنية،‭ ‬إلى‭ ‬الجنوح‭ ‬نحو‭ ‬الإرهاب،‭ ‬وذلك‭ ‬على‭ ‬النقيض‭ ‬من‭ ‬الشعوب‭ ‬المضطهدة‭ ‬في‭ ‬#سوريا‭ ‬والعراق‭ ‬المعرَّضة‭ ‬لخروج‭ ‬مشاعرها‭ ‬عن‭ ‬السيطرة؟‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬دورٌ‭ ‬لعنصر‭ ‬المال‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬ممكناً‭ ‬لأي‭ ‬جهاز‭ ‬استخباراتي‭ ‬امتلاك‭ ‬معلومات‭ ‬مسبقة‭ ‬عن‭ ‬الهجوم،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أنه‭ ‬عند‭ ‬الاستماع‭ ‬إلى‭ ‬المحلّلين‭ ‬عبر‭ ‬شاشات‭ ‬التلفزة،‭ ‬يُخيَّل‭ ‬إلينا‭ ‬أن‭ ‬الحل‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬تشارُك‭ ‬الاستخبارات‭ ‬بين‭ ‬الدول‭. ‬قد‭ ‬ينجح‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات،‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ليحول‭ ‬دون‭ ‬وقوع‭ ‬هذا‭ ‬الهجوم‭. ‬يستطيع‭ ‬أيٌّ‭ ‬كان‭ ‬الاستحواذ‭ ‬على‭ ‬سلاح‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬كان‭ ‬مصمماً‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬واستئجار‭ ‬شاحنة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يثير‭ ‬الأمر‭ ‬أي‭ ‬شبهات،‭ ‬وهذا‭ ‬مقلق‭ ‬للغاية‭.‬

‭"‬حزب‭ ‬الله‭" ‬هو‭ ‬من‭ ‬ابتكر‭ ‬استخدام‭ ‬الشاحنة‭ ‬آلةً‭ ‬للقتل‭. ‬قال‭ ‬رجل‭ ‬#إيران،‭ ‬أمين‭ ‬عام‭ "‬حزب‭ ‬الله‭"‬،‭ ‬حسن‭ ‬نصرالله،‭ ‬في‭ ‬خطاب‭ ‬ألقاه‭ ‬قبل‭ ‬بضعة‭ ‬أعوام‭: "‬إن‭ ‬الذي‭ ‬يركب‭ ‬شاحنته‭ ‬ويدخل‭ ‬إلى‭ ‬قلاع‭ ‬العدو‭ ‬ليفجّر‭ ‬نفسه‭ ‬ويستشهد،‭ ‬يدخل‭ ‬مطمئن‭ ‬القلب،‭ ‬ومبتسماً،‭ ‬وسعيداً‭"‬،‭ ‬حتى‭ ‬إنه‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬تمجيد‭ ‬موت‭ ‬هؤلاء‭ ‬القتلة‭ ‬مشبِّهاً‭ ‬إياهم‭ ‬بمن‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬حمام‭ ‬سونا‭ ‬ساخن‭ ‬إلى‭ ‬غرفة‭ ‬منعشة‭ ‬وهانئة‭.‬

يكافئون‭ ‬#إيران‭ ‬على‭ ‬كونها‭ ‬الراعية‭ ‬الأكبر‭ ‬للإرهاب‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬لديها‭ ‬خلايا‭ ‬نائمة‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬البلدان،‭ ‬واتفاقها‭ ‬النووي‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لم‭ ‬يحقق‭ ‬شيئاً‭ ‬لكبح‭ ‬نواياها‭ ‬الشريرة‭ ‬ضد‭ ‬العالم‭ ‬الغربي‭. ‬يجب‭ ‬وضع‭ ‬أنشطتها‭ ‬تحت‭ ‬المجهر‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تتستّر‭ ‬أجهزة‭ ‬الاستخبارات‭ ‬الغربية‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الأنشطة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬مصالحها‭ ‬الوطنية‭.‬

يقتضي‭ ‬اجتثاث‭ ‬آفة‭ ‬الإرهاب‭ ‬تطبيق‭ ‬استراتيجية‭ ‬هرمية‭ ‬من‭ ‬الأعلى‭ ‬إلى‭ ‬الأسفل‭ ‬وليس‭ ‬العكس‭. ‬الحل‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬التخلص‭ ‬من‭ ‬مستعمرة‭ ‬للنمل‭ ‬هو‭ ‬تدمير‭ ‬الوكر‭ ‬وقتل‭ ‬الملكة‭. ‬لا‭ ‬فائدة‭ ‬من‭ ‬الدوس‭ ‬على‭ ‬النمل،‭ ‬الواحدة‭ ‬تلو‭ ‬الأخرى،‭ ‬لأنه‭ ‬سيولّد‭ ‬مزيدٌ‭ ‬من‭ ‬النمل‭. ‬بعبارة‭ ‬أخرى،‭ ‬ينبغي‭ ‬على‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬أن‭ ‬يتكاتف‭ ‬لتطهير‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الراعية‭ ‬للإرهاب،‭ ‬ومن‭ ‬كبار‭ ‬رموزه‭ ‬ومموّليه‭ ‬ومروّجيه‭ ‬قبل‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬العناصر‭ ‬الصغار‭.‬

في‭ ‬الحقيقة،‭ ‬ساهمت‭ ‬بعض‭ ‬القوى‭ ‬الغربية،‭ ‬على‭ ‬مر‭ ‬العقود،‭ ‬في‭ ‬المشكلات‭ ‬التي‭ ‬نواجهها،‭ ‬وذلك‭ ‬عبر‭ ‬التواطؤ‭ ‬مع‭ ‬المتطرفين‭ ‬المسلحين‭ ‬والعقائديين‭ ‬الخطرين‭ ‬تحقيقاً‭ ‬لمآربها‭ ‬الخاصة‭. ‬يجب‭ ‬ألا‭ ‬ننسى‭ ‬أن‭ ‬#فرنسا‭ ‬احتضنت‭ ‬آية‭ ‬الله‭ ‬الخميني‭ ‬خلال‭ ‬وجوده‭ ‬في‭ ‬المنفى،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬كانت‭ "‬هيئة‭ ‬الإذاعة‭ ‬البريطانية‭" (‬بي‭ ‬بي‭ ‬سي‭) ‬–‭ ‬التي‭ ‬لقّبها‭ ‬الإيرانيون‭ ‬بـ‭"‬بي‭ ‬بي‭ ‬سي‭ ‬آية‭ ‬الله‭" ‬–‭ ‬تبثّ‭ ‬رسائله‭.‬

دعمت‭ ‬وكالة‭ ‬الاستخبارات‭ ‬المركزية‭ ‬الأمريكية‭ (‬سي‭ ‬آي‭ ‬أيه‭) ‬وأجهزة‭ ‬الاستخبارات‭ ‬البريطانية‭ ‬المتطرفين‭ ‬لمنع‭ ‬صعود‭ ‬القومية‭ ‬العربية‭ ‬أو‭ ‬لإسقاط‭ ‬القادة‭ ‬غير‭ ‬المتعاونين‭. ‬التحالفات‭ ‬الغامضة‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وحلفائها‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬والمتشددين‭ ‬والميليشيات‭ ‬في‭ ‬أفغانستان‭ ‬والعراق‭ ‬وسوريا‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬ثانية‭ ‬أمرٌ‭ ‬معلوم‭. ‬اعتقدنا‭ ‬أن‭ ‬الغرب‭ ‬تعلّم‭ ‬الدرس‭ ‬بأن‭ ‬من‭ ‬يلعب‭ ‬بالنار‭ ‬يحرق‭ ‬أصابيعه‭.‬

المناورات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬أو‭ ‬المصالح‭ ‬الاقتصادية‭ ‬يجب‭ ‬ألا‭ ‬تتفوّق‭ ‬أبداً‭ ‬على‭ ‬قدسية‭ ‬الحياة‭ ‬البشرية‭. ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬شن‭ ‬حروب‭ ‬أو‭ ‬اجتياحات‭ ‬بدافع‭ ‬المصالح‭ ‬الذاتية‭ ‬للدول،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يُنظَر‭ ‬بعجرفة‭ ‬إلى‭ ‬مقتل‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف‭ ‬بأنه‭ "‬أضرار‭ ‬جانبية‭". ‬النتيجة‭ ‬المنطقية‭ ‬لهذا‭ ‬كله‭ ‬هي‭ ‬انتشار‭ ‬الكراهية‭ ‬والرغبة‭ ‬في‭ ‬الثأر‭.‬

#فرنسا‭ ‬بلدٌ‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬حرب‭ ‬وعدوها‭ ‬غير‭ ‬منظور،‭ ‬إنه‭ ‬عدو‭ ‬داخلي‭. ‬اللافت‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬المزاج‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬تحوّل‭ ‬من‭ ‬التضامن‭ ‬مع‭ ‬الحكومة‭ ‬والقوى‭ ‬الأمنية‭ ‬إلى‭ ‬الغضب‭. ‬قابلت‭ ‬الحشود‭ ‬موكب‭ ‬الرئيس‭ ‬فرانسوا‭ ‬هولاند‭ ‬بصيحات‭ ‬الاستهجان‭ ‬خلال‭ ‬مروره‭ ‬في‭ ‬#نيس‭ ‬يوم‭ ‬الجمعة‭ ‬الماضي،‭ ‬ويمكنه‭ ‬أن‭ ‬يتوقع‭ ‬رد‭ ‬فعل‭ ‬سياسياً‭ ‬عنيفاً‭ ‬بسبب‭ ‬عجز‭ ‬حكومته‭ ‬عن‭ ‬حماية‭ ‬مواطنيها‭. ‬الرابح‭ ‬سيكون‭ ‬أقصى‭ ‬اليمين‭. ‬فقد‭ ‬تتحقق‭ ‬أوهام‭ ‬مارين‭ ‬لوبن،‭ ‬رئيسة‭ "‬الجبهة‭ ‬الوطنية‭" ‬المحافظة،‭ ‬التي‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬دخول‭ ‬قصر‭ ‬الإليزيه‭ ‬الصيف‭ ‬المقبل‭.‬

يستغل‭ ‬المرشح‭ ‬الجمهوري‭ ‬للرئاسة‭ ‬الأمريكية‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬الوضع‭. ‬فقد‭ ‬أعلن‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ "‬في‭ ‬حالة‭ ‬حرب‭"‬،‭ ‬وقال‭ ‬إنه‭ ‬من‭ ‬شأن‭ "‬التشدد‭"‬‭ ‬في‭ ‬التدقيق‭ ‬في‭ ‬الأوراق‭ ‬الثبوتية‭ ‬أن‭ ‬يحول‭ ‬دون‭ ‬دخول‭ ‬أشخاص‭ ‬من‭ "‬المناطق‭ ‬الإرهابية‭" ‬إلى‭ ‬#أمريكا‭. ‬عند‭ ‬وقوع‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الهجمات،‭ ‬تحصل‭ ‬شعبيته‭ ‬على‭ ‬جرعة‭ ‬زخم،‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يتيح‭ ‬له‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬نظراً‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬نسبة‭ ‬التأييد‭ ‬للمرشحة‭ ‬الديمقراطية‭ ‬المنافسة‭ ‬له،‭ ‬هيلاري‭ ‬كلينتون‭.‬

يقول‭ ‬الجمهوري‭ ‬نيوت‭ ‬غينغريتش،‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬النواب‭ ‬الأمريكي‭ ‬سابقاً،‭ ‬إنه‭ ‬يجب‭ ‬إجراء‭ ‬اختبار‭ ‬للمسلمين‭ ‬لمعرفة‭ ‬إذا‭ ‬كانوا‭ ‬يؤمنون‭ ‬بالشريعة‭ ‬الإسلامية،‭ ‬وفي‭ ‬حال‭ ‬جاءت‭ ‬النتيجة‭ ‬إيجابية،‭ ‬يجب‭ ‬ترحيلهم‭. ‬هذه‭ ‬الخطوة‭ ‬غير‭ ‬دستورية‭ ‬ومثيرة‭ ‬للانقسام،‭ ‬لا‭ ‬بل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬لن‭ ‬تجعل‭ ‬الدول‭ ‬أكثر‭ ‬أماناً،‭ ‬لأن‭ ‬معظم‭ ‬الهجمات‭ ‬الإرهابية‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وأوروبا‭ ‬ارتكبها‭ ‬مجرمون‭ ‬فاشلون‭ ‬غير‭ ‬متديّنين‭.‬

إذا‭ ‬لم‭ ‬تُجرِ‭ ‬الحكومات‭ ‬مجتمعةً‭ ‬تغييرات‭ ‬هائلة‭ ‬في‭ ‬السياسات‭ ‬الراهنة‭ ‬لضرب‭ ‬الإرهاب‭ ‬في‭ ‬منبعه،‭ ‬وتكفّ‭ ‬عن‭ ‬فرش‭ ‬السجاد‭ ‬الأحمر‭ ‬للدول‭ ‬الراعية‭ ‬للإرهاب،‭ ‬سوف‭ ‬يُشيَّد‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬النصب‭ ‬تخليداً‭ ‬لذكرى‭ ‬الضحايا‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬القارات،‭ ‬وسوف‭ ‬تصبح‭ ‬المعيار‭ ‬الجديد‭. ‬نظراً‭ ‬إلى‭ ‬احتمال‭ ‬وصول‭ ‬ترامب‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض،‭ ‬ولوبن‭ ‬إلى‭ ‬قصر‭ ‬الإليزيه،‭ ‬وبوريس‭ ‬جونسون‭ ‬الجامح‭ ‬إلى‭ ‬منصب‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬البريطاني،‭ ‬تكاد‭ ‬تنعدم‭ ‬الآمال‭ ‬بأن‭ ‬تسود‭ ‬الحكمة‭ ‬في‭ ‬عالمنا‭.‬

تعليق
الرجاء المحافظة على تعليقاتك ضمن قواعد الموقع. يرجي العلم انه يتم حذف أي تعليق يحتوي على أي روابط كدعاية لمواقع آخرى. لن يتم عرض البريد الإلكتروني ولكنه مطلوب لتأكيد مشاركتم.
المزيد من المقالات بقلم