الإثنين، 10 أغسطس 2020

البريمي: العودة الى الماضي

بقلم خلف أحمد الحبتور

قمت بزيارة‭ ‬إلى‭ ‬سلطنة‭ ‬عمان‭ ‬المجاورة‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬يناير،‭ ‬وقد‭ ‬سررت‭ ‬كثيراً‭ ‬بحفاوة‭ ‬الاستقبال‭ ‬التي‭ ‬خصّني‭ ‬بها‭ ‬أبناؤها‭. ‬عقدت‭ ‬منذ‭ ‬بعض‭ ‬الوقت‭ ‬العزم‭ ‬على‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬#البريمي‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬عائلتي‭ ‬تمتلك،‭ ‬في‭ ‬صغري،‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬أكواخ‭ ‬النخيل‭ ‬في‭ ‬#واحة‭ ‬#البريمي‭. ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬كنت‭ ‬أمضي‭ ‬عطلتي‭ ‬هناك،‭ ‬وقد‭ ‬انطبعت‭ ‬في‭ ‬ذهني‭ ‬ذكريات‭ ‬جميلة‭ ‬جداً‭ ‬عن‭ ‬المكان‭. ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬#العين‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬مضى،‭ ‬وكانت‭ ‬الحدود‭ ‬مفتوحة‭ ‬حتى‭ ‬عام‭ ‬2006‭. ‬أما‭ ‬اليوم‭ ‬فتقع‭ ‬في‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر‭ ‬من‭ ‬الحدود‭ ‬الإماراتية‭. ‬وقد‭ ‬رافقني‭ ‬في‭ ‬زيارتي‭ ‬الأخيرة‭ ‬أخي‭ ‬سلطان‭ ‬وأبنائي‭ ‬الثلاثة‭ ‬وأحد‭ ‬أحفادي‭. ‬أردتهم‭ ‬أن‭ ‬يلقوا‭ ‬نظرة‭ ‬على‭ ‬الماضي‭.‬

كانت‭ ‬رحلة‭ ‬مطبوعة‭ ‬بالحنين‭ ‬ذكّرتني‭ ‬بالأوقات‭ ‬التي‭ ‬كنّا‭ ‬نمضيها‭ ‬في‭ ‬#البريمي‭ ‬للاسترخاء‭ ‬والراحة‭. ‬أتذكّر‭ ‬أننا‭ ‬استأجرنا،‭ ‬ذات‭ ‬صيف،‭ ‬مزرعة‭ ‬نخيل‭ ‬حيث‭ ‬رحنا‭ ‬نجمع‭ ‬التمر‭ ‬ونحمل‭ ‬أكياساً‭ ‬منه‭ ‬إلى‭ ‬المنزل‭. ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬تلك‭ ‬الأحداث‭ ‬مطبوعة‭ ‬في‭ ‬ذاكرتي‭ ‬وكأنها‭ ‬حدثت‭ ‬بالأمس‭. ‬كان‭ ‬الهواء‭ ‬عليلاً‭ ‬ونقيّاً‭ ‬ومنعشاً،‭ ‬وكان‭ ‬مذاق‭ ‬الخضار‭ ‬الطازجة‭ ‬شهيّاً‭. ‬أتذكّر‭ ‬كيف‭ ‬كانت‭ ‬الينابيع‭ ‬تتدفّق‭ ‬وكأنها‭ ‬أنهار‭ ‬صغيرة‭.‬

لفتني‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الواحة،‭ ‬التي‭ ‬يقطنها‭ ‬الإنسان‭ ‬بصورة‭ ‬متواصلة‭ ‬منذ‭ ‬نحو‭ ‬أربعة‭ ‬آلاف‭ ‬عام،‭ ‬تستمر‭ ‬في‭ ‬الازدهار‭ ‬والتطوّر‭ ‬بفضل‭ ‬منظومة‭ ‬ري‭ ‬قديمة‭ ‬تُعرَف‭ ‬بالأفلاج‭. ‬اصطُحِبت‭ ‬لرؤية‭ ‬منظومات‭ ‬الري‭ ‬الحديثة،‭ ‬وقد‭ ‬سررت‭ ‬عندما‭ ‬لاحظت‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تشبه‭ ‬المنظومة‭ ‬القديمة،‭ ‬المليئة‭ ‬بالسحر‭ ‬والأصالة‭ . ‬لم‭ ‬يسيطر‭ ‬التحديث‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬الجميلة‭ ‬من‭ ‬العالم‭. ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬الأفلاج‭ ‬المصدر‭ ‬الأساسي‭ ‬لمياه‭ ‬الري‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الآبار‭. ‬تتغذّى‭ ‬الأفلاج‭ ‬من‭ ‬المياه‭ ‬الجوفية‭ ‬التي‭ ‬تُنقَل‭ ‬إلى‭ ‬القرى‭ ‬بواسطة‭ ‬قناة‭ ‬من‭ ‬صنع‭ ‬الإنسان‭. ‬أُعجِبت‭ ‬كثيراً‭ ‬بالمهارة‭ ‬العالية‭ ‬في‭ ‬العمل،‭ ‬وسررت‭ ‬لرؤية‭ ‬السلطنة‭ ‬محتفظة‭ ‬بالكثير‭ ‬من‭ ‬أصالتها‭.‬

وتجلّت‭ ‬الأصالة‭ ‬أيضاً‭ ‬في‭ ‬الحفاوة‭ ‬العمانية‭ ‬التقليدية‭ ‬التي‭ ‬استقبلوني‭ ‬بها‭ ‬أثناء‭ ‬الزيارة،‭ ‬والتي‭ ‬تتميّز‭ ‬بها‭ ‬سلطنة‭ ‬عمان‭. ‬لقيت‭ ‬ترحيباً‭ ‬من‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الأشخاص،‭ ‬بينهم‭ ‬نجل‭ ‬والي‭ ‬#البريمي‭ ‬سابقاً‭. ‬وذكّرني‭ ‬اللقاء‭ ‬في‭ ‬حصن‭ ‬الحلة،‭ ‬وهي‭ ‬#قلعة‭ ‬إسلامية‭ ‬قديمة‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر‭ ‬ميلادي،‭ ‬بالروابط‭ ‬الثقافية‭ ‬الغنيّة‭ ‬التي‭ ‬تجمعنا‭ ‬بإخوتنا‭ ‬العمانيين‭. ‬مضى‭ ‬ثلاثون‭ ‬عاماً‭ ‬على‭ ‬زيارتي‭ ‬الأخيرة‭ ‬إلى‭ ‬المنطقة،‭ ‬مع‭ ‬العلم‭ ‬بأنني‭ ‬زرت‭ ‬العاصمة‭ ‬#مسقط‭ ‬عام‭ ‬2017‭. ‬لن‭ ‬أترك‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬الوقت‭ ‬ينقضي‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬حتى‭ ‬زيارتي‭ ‬المقبلة‭ ‬إلى‭ ‬#البريمي،‭ ‬وأحضّ‭ ‬الآخرين‭ ‬على‭ ‬القيام‭ ‬بالرحلة‭ ‬نفسها‭. ‬في‭ ‬طريق‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬#دبي،‭ ‬تلاشت‭ ‬جبال‭ ‬الحجر‭ ‬في‭ ‬البعيد،‭ ‬لكنها‭ ‬تركت‭ ‬بصمة‭ ‬لا‭ ‬تُمحى‭ ‬من‭ ‬الذاكرة‭.‬

تعليق
الرجاء المحافظة على تعليقاتك ضمن قواعد الموقع. يرجي العلم انه يتم حذف أي تعليق يحتوي على أي روابط كدعاية لمواقع آخرى. لن يتم عرض البريد الإلكتروني ولكنه مطلوب لتأكيد مشاركتم.
المزيد من المقالات بقلم