الخميس، 23 سبتمبر 2021

قُضي الأمر! حرب العراق كانت عدواناً

بقلم خلف أحمد الحبتور

© APIMages

"محطم" و‭"‬مسكونٌ‭ ‬بالهواجس‭"‬،‭ ‬هكذا‭ ‬وصفت‭ ‬صحيفة‭ "‬التلغراف‭" ‬طوني‭ ‬بلير‭ ‬إبان‭ ‬صدور‭ ‬تقرير‭ "‬تشيلكوت‭" ‬عن‭ ‬حرب‭ ‬العراق‭. ‬أما‭ ‬أنا‭ ‬فرأيته‭ ‬يتظاهر‭ ‬بأنه‭ "‬رجل‭ ‬مسكين‭"‬،‭ ‬ويجيد‭ ‬لعب‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬منه‭ ‬لإنقاذ‭ ‬ما‭ ‬تبقّى‭ ‬من‭ ‬سمعته‭. ‬شدّد‭ ‬مراراً‭ ‬وتكراراً‭ ‬بعينَين‭ ‬دامعتين‭: "‬لم‭ ‬ألجأ‭ ‬إلى‭ ‬الكذب‭ ‬أو‭ ‬الخداع‭"‬،‭ ‬فيما‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يصرّ‭ ‬على‭ ‬أن‭ "‬العالم‭ ‬أفضل‭ ‬حالاً‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬صدام‭".‬

وقال‭ ‬نقلاً‭ ‬عن‭ ‬تقرير‭ ‬صادر‭ ‬عن‭ "‬مجموعة‭ ‬مسح‭ ‬العراق‭"‬،‭ ‬إن‭ ‬#صدام‭_‬حسين‭ ‬كان‭ ‬سيعمد‭ ‬حكماً‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬برنامج‭ ‬أسلحة‭ ‬الدمار‭ ‬الشامل‭ ‬ما‭ ‬إن‭ ‬يتم‭ ‬رفع‭ ‬العقوبات‭ ‬–‭ ‬في‭ ‬تشويه‭ ‬إضافي‭ ‬للحقائق‭ ‬على‭ ‬لسان‭ ‬مزوِّر‭ ‬الوقائع‭ ‬الأكبر‭.‬

أولاً،‭ ‬أنّى‭ ‬للمفتّشين‭ ‬أن‭ ‬يكتشفوا‭ ‬النوايا‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬الرئيس‭ ‬العراقي‭ ‬يضمرها‭ ‬للمستقبل؟‭ ‬ثانياً،‭ ‬قال‭ ‬تشارلز‭ ‬دولفر‭ ‬الذي‭ ‬تولّى‭ ‬رئاسة‭ ‬فريق‭ ‬التقصّي‭ ‬عن‭ ‬أسلحة‭ ‬الدمار‭ ‬الشامل‭ ‬العراقية‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬بوش،‭ ‬أمام‭ ‬لجان‭ ‬الكونغرس‭ ‬إن‭ ‬إمكانات‭ ‬#صدام‭_‬حسين‭ "‬تراجعت‭ ‬تدريجاً‭"‬،‭ ‬وإن‭ ‬المفتّشين‭ ‬لم‭ ‬يجدوا‭ ‬أدلة‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬جهود‭ ‬لإعادة‭ ‬إطلاق‭ ‬البرنامج‭ ‬النووي‭.‬

يصرّ‭ ‬بلير‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬هجمات‭ ‬11‭ ‬سبتمبر‭ ‬غيّرت‭ ‬وجه‭ ‬الحضارة‭. ‬يقول‭ ‬إنه‭ ‬كان‭ ‬متخوّفاً‭ ‬من‭ ‬وصول‭ ‬أسلحة‭ ‬الدمار‭ ‬الشامل‭ ‬العراقية‭ ‬إلى‭ ‬أيدي‭ ‬المجموعات‭ ‬الإرهابية،‭ ‬متجاهلاً‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬إرهابيون‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬قبل‭ ‬عام‭ ‬2003‭.‬

لم‭ ‬يسعَ‭ ‬تقرير‭ "‬تشيلكوت‭" ‬إلى‭ ‬تبييض‭ ‬صفحة‭ ‬المؤسسة‭ ‬الحاكمة‭ ‬كما‭ ‬فعلت‭ ‬التقارير‭ ‬السابقة‭. ‬فقد‭ ‬ألقى‭ ‬التقرير‭ ‬اللوم‭ ‬صراحةً‭ ‬في‭ ‬دمار‭ ‬العراق،‭ ‬على‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬البريطاني‭ ‬السابق،‭ ‬مع‭ ‬العلم‭ ‬بأنه‭ ‬حمّل‭ ‬أيضاً‭ ‬مسؤولية‭ ‬لأجهزة‭ ‬الاستخبارات‭ ‬ووزارة‭ ‬الدفاع‭ ‬التي‭ ‬تحمّست‭ ‬كثيراً‭ ‬للحرب،‭ ‬والتي‭ ‬تركت‭ ‬الجنود‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬القتال‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تزويدهم‭ ‬بالآليات‭ ‬والدروع‭ ‬الجسدية‭ ‬المناسبة‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬التقرير‭ ‬امتنع‭ ‬عن‭ ‬نعت‭ ‬بلير‭ ‬بالكاذب‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬ملفاته‭ ‬المشبوهة؛‭ ‬ومنها‭ ‬ملف‭ ‬مأخوذ‭ ‬من‭ ‬طالبٍ‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬12‭ ‬عاماً‭ ‬مضت،‭ ‬ومنشورة‭ ‬على‭ ‬الإنترنت‭.‬

أغفل‭ ‬التقرير‭ ‬أمراً‭ ‬أساسياً‭ ‬آخر‭. ‬لم‭ ‬يعلن‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬كانت‭ "‬غير‭ ‬شرعية‭" ‬مع‭ ‬العلم‭ ‬بأن‭ ‬أمين‭ ‬عام‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬سابقاً،‭ ‬كوفي‭ ‬عنان،‭ ‬لم‭ ‬يتردد‭ ‬في‭ ‬فعل‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬سبتمبر‭ ‬2004‭ ‬عندما‭ ‬قال‭ ‬إن‭ ‬الاجتياح‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬بموافقة‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬الدولي‭ ‬ولا‭ ‬بحسب‭ ‬الأصول‭ ‬المرعية‭ ‬الإجراء‭ ‬في‭ ‬ميثاق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭.‬

تنكبّ‭ ‬أعداد‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬المحامين‭ ‬على‭ ‬دراسة‭ ‬التقرير‭ ‬المؤلف‭ ‬من‭ ‬6000‭ ‬صفحة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬رفع‭ ‬قضية‭ ‬ضد‭ ‬بلير،‭ ‬لكنه‭ ‬تحدٍّ‭ ‬هائل‭.‬

فقد‭ ‬أعلنت‭ ‬المحكمة‭ ‬الجنائية‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬لاهاي‭ ‬أنها‭ ‬لن‭ ‬تنظر‭ ‬في‭ ‬ملابسات‭ ‬قرار‭ ‬بلير،‭ ‬مشدّدةً‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المسألة‭ ‬لا‭ ‬تندرج‭ ‬ضمن‭ ‬صلاحياتها‭. ‬من‭ ‬حسن‭ ‬حظ‭ ‬بلير‭ ‬أنه‭ ‬ليس‭ ‬أفريقياً،‭ ‬أو‭ "‬أسوأ‭ ‬من‭ ‬ذلك‭"‬،‭ ‬عربياً‭. ‬فلو‭ ‬كان‭ ‬كذلك،‭ ‬كانت‭ ‬المحكمة‭ ‬ستعمل‭ ‬على‭ ‬توسيع‭ ‬صلاحياتها‭ ‬بلا‭ ‬أدنى‭ ‬شك‭ ‬كي‭ ‬تشمل‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬القضية‭. ‬من‭ ‬غير‭ ‬الوارد‭ ‬أيضاً‭ ‬إنشاء‭ ‬محكمة‭ ‬خاصة‭ ‬بدعم‭ ‬من‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة؛‭ ‬فمن‭ ‬شأن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وبريطانيا‭ ‬أن‭ ‬تفرضا‭ ‬فيتو‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬الدولي‭ ‬وتمنعا‭ ‬تشكيلها‭.‬

يجب‭ ‬أن‭ ‬يُمضي‭ ‬بلير‭ ‬ما‭ ‬تبقّى‭ ‬من‭ ‬حياته‭ ‬خلف‭ ‬القضبان،‭ ‬مع‭ ‬أصدقائه‭ ‬الأمريكيين،‭ ‬الرئيس‭ ‬السابق‭ ‬#جورج‭_‬دبليو‭_‬بوش،‭ ‬ونائب‭ ‬الرئيس‭ ‬ديك‭ ‬تشيني،‭ ‬ووزير‭ ‬الدفاع‭ ‬دونالد‭ ‬رامسفيلد،‭ ‬مهندسي‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬العراق‭. ‬كان‭ ‬اجتياح‭ ‬العراق‭ ‬على‭ ‬قائمة‭ ‬مخططاتهم‭ ‬منذ‭ ‬البداية،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬اجتياح‭ ‬دول‭ ‬عربية‭ ‬أخرى‭.‬

يقرّ‭ ‬بلير‭ ‬بأن‭ ‬هدف‭ ‬بوش‭ ‬كان‭ ‬تغيير‭ ‬النظام‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬وبأنه‭ ‬انضم‭ ‬إلى‭ ‬الركب‭. ‬يقول‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬رسائله‭ ‬إلى‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي،‭ ‬التي‭ ‬جرى‭ ‬الكشفٍ‭ ‬عنها‭ ‬مؤخراً‭ ‬بعد‭ ‬رفع‭ ‬السرّية‭ ‬عنها،‭ ‬إن‭ ‬الهدف‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬هو‭ ‬إرساء‭ "‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬الحقيقي‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭"‬،‭ ‬في‭ ‬كلام‭ ‬تفوح‭ ‬منه‭ ‬رائحة‭ ‬المحافظية‭ ‬الجديدة‭.‬

في‭ ‬الحقيقة،‭ ‬كانوا‭ ‬يعرفون‭ ‬جيداً‭ ‬أن‭ ‬العراق‭ ‬دمّر‭ ‬أسلحته‭ ‬الكيميائية‭ ‬والبيولوجية‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬حرب‭ ‬الخليج‭ ‬عام‭ ‬1991‭. ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬أكّده‭ ‬صهر‭ ‬#صدام‭_‬حسين‭ ‬ورئيس‭ ‬الحرس‭ ‬الجمهوري‭ ‬في‭ ‬عهده،‭ ‬حسين‭ ‬كامل‭ ‬المجيد،‭ ‬لأجهزة‭ ‬الاستخبارات‭ ‬الغربية‭ ‬عند‭ ‬انشقاقه‭ ‬عن‭ ‬النظام‭ ‬وتوجّهه‭ ‬إلى‭ ‬الأردن‭ ‬في‭ ‬أغسطس‭ ‬1995‭. ‬وقد‭ ‬توفّي‭ ‬الدكتور‭ ‬ديفيد‭ ‬كيلي،‭ ‬وهو‭ ‬خبير‭ ‬في‭ ‬الأسلحة،‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬غامضة‭ ‬بعيد‭ ‬كشفه‭ ‬عن‭ ‬ثغرات‭ ‬في‭ ‬الحجج‭ ‬التي‭ ‬ساقتها‭ ‬رئاسة‭ ‬الوزراء‭ ‬البريطانية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬شنّ‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬العراق‭.‬

إقرار‭ ‬بلير‭ ‬بأن‭ ‬الهدف‭ ‬وراء‭ ‬الحرب‭ ‬كان‭ ‬تغيير‭ ‬النظام،‭ ‬تصريح‭ ‬خطير‭ ‬تترتب‭ ‬عنه‭ ‬تداعيات‭ ‬وخيمة‭. ‬فتغيير‭ ‬النظام‭ ‬بالقوة‭ ‬ممارسة‭ ‬غير‭ ‬شرعية‭ ‬بموجب‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬ويشكّل‭ ‬انتهاكاً‭ ‬لميثاق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭. ‬لهذا‭ ‬اختاروا‭ ‬المعلومات‭ ‬الاستخباراتية‭ ‬بانتقائية‭ ‬شديدة‭ ‬كي‭ ‬تتناسب‭ ‬مع‭ ‬مآربهم،‭ ‬وشنّوا‭ ‬حرب‭ ‬بروباغندا‭ ‬دعائية‭ ‬ضد‭ ‬صدام‭ "‬الشرير‭" ‬الذي‭ ‬زوّدوه‭ ‬بالأسلحة‭ ‬الكيميائية‭ ‬أبان‭ ‬الحرب‭ ‬العراقية‭-‬الإيرانية‭ ‬التي‭ ‬استمرت‭ ‬ثمانية‭ ‬أعوام،‭ ‬ومنحوه،‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬السفير‭ ‬الأمريكي‭ ‬لدى‭ ‬العراق‭ ‬أبريل‭ ‬غلاسبي،‭ ‬الضوء‭ ‬الأخضر‭ ‬لاجتياح‭ ‬الكويت‭.‬

دمّروا‭ ‬بلداً‭ ‬كانت‭ ‬أموره‭ ‬تسير‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يرام،‭ ‬وذلك‭ ‬بالاستناد‭ ‬إلى‭ ‬ذرائع‭ ‬واهية‭. ‬تشير‭ ‬الرسائل‭ ‬الموجّهة‭ ‬من‭ ‬بلير‭ ‬إلى‭ ‬بوش،‭ ‬إلى‭ ‬أنهما‭ ‬كانا‭ ‬ينتظران‭ ‬بفارغ‭ ‬الصبر‭ ‬زلّة‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬#صدام‭_‬حسين‭ ‬كي‭ ‬ينقضّا‭ ‬عليه‭. ‬كانت‭ ‬فرقة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬القوات‭ ‬البرية‭ ‬على‭ ‬أهبة‭ ‬الاستعداد،‭ ‬وكان‭ ‬بوش‭ ‬يتلهّف‭ ‬لنشرها‭ ‬على‭ ‬الأرض‭.‬

طلب‭ ‬مفتّشو‭ ‬الأسلحة‭ ‬التابعون‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬منحهم‭ ‬مزيداً‭ ‬من‭ ‬الوقت،‭ ‬لكن‭ ‬بوش‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬الانتظار‭ ‬أكثر،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬فرق‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليه‭ ‬سواء‭ ‬صدر‭ ‬قرار‭ ‬جديد‭ ‬عن‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬أم‭ ‬لم‭ ‬يصدر،‭ ‬مع‭ ‬العلم‭ ‬بأن‭ ‬فرنسا‭ ‬وروسيا‭ ‬عمدتا،‭ ‬عن‭ ‬حق،‭ ‬إلى‭ ‬تعطيل‭ ‬صدور‭ ‬القرار‭. ‬كان‭ ‬قد‭ ‬بدأ‭ ‬يسأم‭ ‬من‭ ‬الإلحاح‭ ‬المستمر‭ ‬لعميله‭ ‬البريطاني‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يطالب‭ ‬بإلحاح‭ ‬بصدور‭ ‬قرارات‭ ‬عن‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬ضاق‭ ‬ذرعاً‭ ‬من‭ ‬خريطة‭ ‬الطريق‭ ‬الإسرائيلية‭-‬الفلسطينية‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تؤدِّ‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬نتيجة‭. ‬كان‭ ‬جاهزاً‭ ‬للتحرك‭ ‬بمفرده،‭ ‬ومنح‭ ‬المتملّق‭ ‬الذليل‭ ‬في‭ ‬المقلب‭ ‬الآخر‭ ‬من‭ ‬المحيط‭ ‬الأطلسي‭ ‬فرصة‭ ‬اختيار‭ ‬عدم‭ ‬الانضمام‭ ‬إلى‭ ‬الحرب‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬شعور‭ ‬بالضغينة‭. ‬لكن‭ ‬بلير‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬تعهّد‭ ‬في‭ ‬مذكرة‭ ‬صادرة‭ ‬عام‭ ‬2002‭ ‬بالوقوف‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬بوش‭ ‬في‭ ‬السراء‭ ‬والضراء‭.‬

زرعت‭ ‬العصابة‭ ‬النيو‭-‬إمبريالية‭ ‬الذعر‭ ‬في‭ ‬نفوس‭ ‬العراقيين‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الحملة‭ ‬العسكرية‭ ‬التي‭ ‬شنّتها‭ ‬تحت‭ ‬اسم‭ "‬الصدمة‭ ‬والرعب‭"‬،‭ ‬والتي‭ ‬أدت‭ ‬الى‭ ‬إعدام‭ ‬الرئيس‭ ‬العراقي‭ ‬شنقاً،‭ ‬وقامت‭ ‬بتسريح‭ ‬الجيش‭ ‬العراقي‭ ‬وتطهير‭ ‬الخدمة‭ ‬المدنية‭ ‬من‭ ‬البعثيين‭. ‬وقد‭ ‬أدت‭ ‬تلك‭ ‬الحملة‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬إلى‭ ‬مقتل‭ ‬مئات‭ ‬آلاف‭ ‬العراقيين،‭ ‬ونزوح‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مليونَي‭ ‬شخص،‭ ‬وانتشار‭ ‬الكراهية‭ ‬المذهبية‭.‬

وما‭ ‬يزيد‭ ‬جرائمهم‭ ‬سوءاً‭ ‬أنهم‭ ‬لم‭ ‬يخططوا‭ ‬للمستقبل،‭ ‬فتركوا‭ ‬فراغات‭ ‬في‭ ‬الحكم‭ ‬سارعت‭ ‬التنظيمات‭ ‬الميليشياوية‭ ‬الشيعية،‭ ‬كذلك‭ "‬القاعدة‭" ‬وتنظيم‭ "‬الدولة‭ ‬الإسلامية‭" (‬داعش‭)‬،‭ ‬إلى‭ ‬ملئها،‭ ‬فالتفّت‭ ‬مخالبهم‭ ‬حول‭ ‬أعناق‭ ‬سوريا‭ ‬وعدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬البلدان‭ ‬العربية‭ ‬الأخرى‭. ‬كما‭ ‬أنهم‭ ‬تلقوا‭ ‬تحذيرات‭ ‬من‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬شأن‭ ‬إضعاف‭ ‬العراق‭ ‬أن‭ ‬يؤدّي‭ ‬إلى‭ ‬إطلاق‭ ‬العنان‭ ‬لإيران‭ ‬المجاورة‭ ‬وجعل‭ ‬الطريق‭ ‬سالكاً‭ ‬أمامها‭ ‬لتحقيق‭ ‬أطماعها‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

لقد‭ ‬ضربوا‭ ‬عرض‭ ‬الحائط‭ ‬بنصيحة‭ ‬الخبراء‭ ‬المتخصصين‭ ‬في‭ ‬شؤون‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬الذين‭ ‬أصابوا‭ ‬في‭ ‬استشراف‭ ‬التداعيات‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تترتّب‭ ‬عن‭ ‬خلع‭ ‬#صدام‭_‬حسين‭ ‬وقبضته‭ ‬الحديدية‭ ‬عن‭ ‬العراق‭. ‬تدفع‭ ‬أوروبا‭ ‬الان‭ ‬الثمن‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الهجمات‭ ‬الإرهابية‭ ‬التي‭ ‬تشن‭ ‬على‭ ‬أراضيها‭ ‬بين‭ ‬الحين‭ ‬والاخر،‭ ‬والأعداد‭ ‬الكبيرة‭ ‬من‭ ‬اللاجئين‭ ‬العراقيين‭ ‬والسوريين‭ ‬الذين‭ ‬يقرعون‭ ‬أبوابها‭. ‬حتى‭ ‬إن‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المعلّقين‭ ‬يحمّلون‭ ‬بلير‭ ‬مسؤولية‭ ‬إشعال‭ ‬فتيل‭ ‬العداء‭ ‬لدى‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬البريطاني‭ ‬تجاه‭ ‬الطبقة‭ ‬السياسية،‭ ‬ودفع‭ ‬البريطانيين‭ ‬نحو‭ ‬فقدان‭ ‬الثقة‭ ‬بالمسؤولين‭.‬

باختصار،‭ ‬بوش‭ ‬وبلير‭ ‬وأعوانهما‭ ‬مجرمون‭ ‬أيديهم‭ ‬ملطّخة‭ ‬بالدماء،‭ ‬ويجب‭ ‬جعلهم‭ ‬عبرةً‭ ‬للآخرين‭ ‬بهدف‭ ‬الردع،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬لأمثال‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬الذين‭ ‬يطلقون‭ ‬النار‭ ‬أولاً‭ ‬ثم‭ ‬يطرحون‭ ‬الأسئلة‭. ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬تعقدوا‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الآمال‭!‬

السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يحيّرني‭: ‬لماذا‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يملك‭ ‬كميات‭ ‬كافية‭ ‬من‭ ‬المواد‭ ‬الغذائية‭ ‬والإمدادات‭ ‬الطبية‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬يشكّل‭ ‬أي‭ ‬تهديد؟

في‭ ‬المقابل،‭ ‬كان‭ ‬يُشتبَه‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬طهران‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬أسلحة‭ ‬نووية،‭ ‬وعلى‭ ‬بناء‭ ‬إمكاناتها‭ ‬العسكرية،‭ ‬ولم‭ ‬يكف‭ ‬الملالي‭ ‬عن‭ ‬بث‭ ‬رسائل‭ ‬الكراهية‭ ‬ضد‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬إطلاق‭ ‬التهديدات‭ ‬باتجاه‭ ‬إسرائيل‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لم‭ ‬تستهدف‭ ‬إيران،‭ ‬لا‭ ‬بل‭ ‬كافأتها‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬سلاح‭ ‬نووي‭ ‬في‭ ‬الخفاء‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬سنوات،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬رفع‭ ‬العقوبات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬عنها‭ ‬فيما‭ ‬تتودّد‭ ‬العواصم‭ ‬الأوروبية‭ ‬إلى‭ ‬الرئيس‭ ‬الإيراني‭.‬

لقد‭ ‬أحدث‭ ‬بوش‭ ‬وبلير‭ ‬وأوباما،‭ ‬معاً‭ ‬وبصورة‭ ‬منفصلة،‭ ‬خللاً‭ ‬في‭ ‬توازن‭ ‬القوى‭ ‬الإقليمي‭ ‬الضعيف،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الدول‭ ‬السنّية‭ ‬أكثر‭ ‬هشاشة‭ ‬مما‭ ‬كانت‭ ‬عليه‭ ‬عندما‭ ‬كان‭ ‬العراق‭ ‬برئاسة‭ ‬#صدام‭_‬حسين‭ ‬حصناً‭ ‬منيعاً‭ ‬وقوياً‭ ‬يحمي‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬من‭ ‬الأطماع‭ ‬الإيرانية‭. ‬هل‭ ‬كان‭ ‬مخططاً‭ ‬متعمّداً‭ ‬منذ‭ ‬البداية؟‭ ‬هل‭ ‬تعزيز‭ ‬إيران‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬السعودية‭ ‬ودول‭ ‬الخليج‭ ‬هدف‭ ‬راسخ‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬الأمريكية؟‭ ‬يوجّه‭ ‬أوباما‭ ‬انتقادات‭ ‬إلى‭ ‬السعودية‭ ‬ملمّحاً‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬عليها‭ ‬أن‭ ‬تتعلّم‭ ‬تشارُك‭ ‬المنطقة‭ ‬مع‭ ‬إيران‭!‬

يجب‭ ‬ألا‭ ‬يغيب‭ ‬عن‭ ‬بالنا‭ ‬أبداً‭ ‬ما‭ ‬حلّ‭ ‬بالعراق‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬ينزف‭ ‬حتى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا‭. ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬أن‭ ‬نعرف‭ ‬بالضبط‭ ‬مَن‭ ‬معنا‭ ‬ومَن‭ ‬علينا‭. ‬ينبغي‭ ‬على‭ ‬قادة‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬أن‭ ‬يطالبوا‭ ‬أصدقاءنا‭ ‬الغربيين‭ ‬بأجوبة‭ ‬صريحة‭ ‬وشفافة‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬الشعارات‭ ‬والكلام‭ ‬العقيم‭.‬

لطالما‭ ‬حذّرت‭ ‬في‭ ‬مقالاتي‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة،‭ ‬من‭ ‬احتمال‭ ‬حدوث‭ ‬انفراج‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الأمريكية‭-‬الإيرانية‭ ‬أو‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬صفقة‭ ‬كبرى‭. ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة‭ ‬غريبة،‭ ‬لا‭ ‬بل‭ ‬مثيرة‭ ‬للسخرية‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬كثيرين‭. ‬لكنهم‭ ‬توقّفوا‭ ‬عن‭ ‬الضحك‭ ‬الآن‭.‬

ينبغي‭ ‬على‭ ‬حلفائنا‭ ‬أن‭ ‬يحدّدوا‭ ‬موقفهم‭ ‬بوضوح؛‭ ‬يمكنهم‭ ‬أن‭ ‬يبدأوا‭ ‬بالاعتراف‭ ‬رسمياً‭ ‬بـ‭"‬الخليج‭ ‬العربي‭" ‬نظراً‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬السواحل‭ ‬العائدة‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬حول‭ ‬هذا‭ ‬الجسم‭ ‬المائي‭ ‬أطول‭ ‬بنسبة‭ ‬85‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬من‭ ‬الساحل‭ ‬الإيراني‭. ‬أما‭ ‬إذا‭ ‬رفضوا‭ ‬قبول‭ ‬هذا‭ ‬الطلب‭ ‬الصغير‭ ‬نسبياً،‭ ‬فسوف‭ ‬يكون‭ ‬علينا‭ ‬اتخاذ‭ ‬موقف‭ ‬حاسم‭.‬

كم‭ ‬هو‭ ‬محق‭ ‬إيسوبوس‭ ‬عندما‭ ‬يقول‭: "‬الصديق‭ ‬المشكوك‭ ‬في‭ ‬أمره‭ ‬أسوأ‭ ‬من‭ ‬العدو‭ ‬المؤكد‭. ‬فليحدد‭ ‬الشخص‭ ‬موقفه‭ ‬كي‭ ‬نعرف‭ ‬كيف‭ ‬نتعامل‭ ‬معه‭".‬

 
تعليق
الرجاء المحافظة على تعليقاتك ضمن قواعد الموقع. يرجي العلم انه يتم حذف أي تعليق يحتوي على أي روابط كدعاية لمواقع آخرى. لن يتم عرض البريد الإلكتروني ولكنه مطلوب لتأكيد مشاركتم.
المزيد من المقالات بقلم