الثلاثاء، 13 أبريل 2021

القوى الغربية والخضوع المعيب لإيران

بقلم خلف أحمد الحبتور

© AP Images

تنهمر الأموال على #إيران. ويلقى الرئيس #روحاني الذي يقوم بجولة على العواصم الأوروبية لعقد صفقات الشراء، معاملة الملوك. وقد حرصت #إيطاليا على عدم الإساءة إلى مشاعر ضيفها إلى درجة أنه جرى وضع ألواح بيضاء حول التماثيل القديمة في أحد المتاحف، وكوفئت على حسن ضيافتها بإبرام صفقات معها تفوق قيمتها مجتمعةً 18 مليار دولار أمريكي. ورحّبت الحكومة الفرنسية بروحاني متعهدةً بفتح صفحة جديدة في العلاقات قبيل توقيع 20 اتفاقاً مربحاً تساوي المليارات بين البلدَين.

يُقال إن المال ينطق. هذه المرة، صوته مرتفع جداً، ويعلو فوق صوت ما يُسمّى القيم الأوروبية، ومصالح الأصدقاء المجرَّبين والحقيقيين للقارة الأوروبية. لقد نسيت #أوروبا سجل #إيران المروّع في حقوق الإنسان، وعملائها الإرهابيين، وعدوانها تجاه المملكة العربية #السعودية ودول #الخليج_العربي؛ ووُضِعت المخاوف من الشراكة الإيرانية مع الجزّار السوري على الرف لأن هذا ما تقتضيه مصلحة هذه الدول. وتجاهل الأوروبيون هتافات "الموت لأمريكا" و"الموت لإسرائيل" التي يطلقها آية الله خامنئي بصورة مستمرة، وتعاموا عن قمع النظام الإيراني لشعبه وإقصائه للأقليات، مثل عرب #الأحواز، ومعاملتهم كمواطنين من الدرجة الثالثة.

وحدهم المواطنون العاديون الذين نزلوا إلى الشارع في باريس وروما فضلاً عن الأطفال في مدينة حلب السورية التي تنهال عليها القذائف، عبّروا عن اشمئزازهم من جولة #روحاني الكبرى في #أوروبا. فقد حمل الأطفال لافتات كُتِب عليها: "اطلبوا من #إيران أن تكفّ عن قتلنا في بلدنا". لكن لدى #إيطاليا وفرنسا أولويات أهم. فالوقت لم يكن مؤاتياً في نظرهما للتلويح بالإصبع للرئيس الإيراني الذي كان يستعدّ لتوقيع صفقات تدر أرباحاً طائلة.

وكأننا استيقظنا لنجد أنفسنا في عالمٍ آخر انقلبت فيه كل المقاييس والقيم التي نتمسّك بها. وافقت #إيران على التخلي عن برنامج تسلّح نووي كانت قد وضعته في العام 2009، بحسب #الوكالة_الدولية_للطاقة_الذرية، فسارع المجتمع الدولي إلى الترحيب بها في أحضانه مثل ابن مدلّل ضلّ السبيل منذ وقت طويل، مع هطول مبالغ طائلة عليها تصل إلى مئة مليار دولار، وتشريع الأبواب أمام النفط والغاز الإيرانيَّين وتوقيع اتفاقات تجارية مع طهران.

وكأنه لا يكفي إذلالاً مشهد رؤساء الدول الأوروبيين ينحنون ويستعطون من أجل كسب الحظوة لدى ممثّل دولة كانت تُعتبَر عدوة قبل بضعة أشهر، فها هي #الولايات_المتحدة التي كانت جبّارة من قبل تتقبّل الإهانات والصفعات الإيرانية برحابة صدر وكأنّ بها تردّد "شكراً، سيدي!"

منذ فترة وجيزة، احتجزت #إيران عشرة عناصر من البحرية الأمريكية ضلّ مركبهم الطريق ودخل "عرضاً" المياه الإقليمية الإيرانية. وقد أُجبِروا على الركوع وأيديهم خلف رؤوسهم على سطح مركبهم قبل أن يُساقوا أمام الكاميرا ويظهروا على التلفزيون الرسمي الإيراني لتقديم الاعتذارات. يا لها من ضربة دعائيّة موفّقة للسلطات الإيرانية وجحافل المتشدّدين المناهضين للغرب! وحتى فيما كانت #إيران تمعن في استغلال الإذلال الذي يتعرّض له أسراها، طمأن #البيت_الأبيض الأمريكيين: "لا نرى في الأمر نية عدوانية. لقد لقيوا معاملة حسنة".

ثم قرأنا العنوان الرئيس الآتي: "#إيران تنبّه سفينة حربية أمريكية إلى وجوب مغادرة المياه قرب #مضيق_هرمز"، وتبعه تقرير جاء في مقدمته: "نبّهت البحرية الإيرانية ناقلة حربية أمريكية يوم الأربعاء إلى وجوب مغادرة المياه في بحر عمان قرب منطقة حيث كانت الجمهورية الإسلامية تقوم بتدريبات عسكرية". وقد غادرت السفينة الأمريكية على وجه السرعة، على الرغم من أنها كانت موجودة في مياه دولية، واتّهمها قائد الأسطول الإيراني لاحقاً بالتجسّس على الأنشطة الإيرانية.

السؤال المطروح الآن على المملكة العربية #السعودية ودول #الخليج_العربي التي حصلت على تطمينات من الرئيس الأمريكي باراك أوباما بأن أمنها هو ذو أهمية قصوى، هو: كيف ستتمكّن #الولايات_المتحدة من الوقوف معنا في وجه المخططات الإيرانية في حين أن بحريتها تفرّ مذعورة ويرحّب القائد الأعلى لقواتها المسلحة بالانفراج الجديد في العلاقات، ويختلق الأعذار لتبرير تصرّفات #إيران المخزية؟

إلى أي درجة يبدي البلد الأكثر نفوذاً والذي يملك الجيش الأعتى في العالم، استعداداً لقبول الإساءات، ولماذا يبذل أوباما قصارى جهده لاسترضاء الأئمة؟ يصعب أن نصدّق أن #الولايات_المتحدة التي لطالما استعرضت عضلاتها لإنقاذ المواطنين الأمريكيين، تعقد الآن صفقات مع الخاطفين لتبادل الأسرى والإفراج عن سبعة مواطنين يحملون الجنسيتَين الأمريكية والإيرانية.

لقد كشف مسؤول إيراني رفيع أنه جرى دفع 1.7 مليار دولار أمريكي في مقابل الإفراج عنهم. لكن وزارة الخارجية الأمريكية أصدرت بياناً تشير فيه إلى أنه تم تسديد المبلغ تسويةً لدفعة تعود إلى ما قبل عام 1979 وتتعلّق بمبيع معدات عسكرية فضلاً عن فوائد جرى التفاوض بشأنها وتبلغ قيمتها 1.3 مليار دولار. إنها ذريعة لتمويه السياسة التي لطالما اعتمدتها #الولايات_المتحدة بعدم الدفع للدول المارقة أو للإرهابيين من أجل الحؤول دون حدوث مزيد من عمليات الخطف. إذا استحقت الدفعة في السبعينيات كما يقال، فلماذا انتظرت #الولايات_المتحدة حتى الآن لتسديدها؟

لا عجب في أن #روحاني يرسم ابتسامة عريضة على وجهه في هذه الأيام، مع تدفق المليارات إلى #إيران بفضل إدارة أوباما التي أطلقت رفع العقوبات وتحرير الأصول الإيرانية، والتي لا شك في أن جزءاً كبيراً منها سيُنفَق على تدعيم إمكانات الجيش الإيراني، وكذلك إمكانات الميليشيات والعملاء في الأراضي العربية.

لا تزال سياسات #إيران تجاه الغرب على حالها، كما أنها تستمر في التدخل في شؤون الدول العربية. ربما عمد قادتها إلى تليين خطابهم قليلاً لأنهم يرغبون بشدّة في إنعاش قطاع الطيران الإيراني من خلال الحصول على طائرات جديدة وقطع غيار، ناهيك عن تأمين شارين للنفط الإيراني وسواه من السلع. ولا بد من أنهم يضحكون في سرّهم لرؤية الدول الأوروبية الكبرى تتهافت من أجل إعادة فتح سفاراتها في طهران فيما تغدق المديح على الإيرانيين وتغرقهم بالدعوات للتوجّه إليها في زيارات رسمية.

فلنواجه الأمر، لقد تمكّنت #إيران من فرض سيطرتها لأنها سمحت للوكالة الدولية للطاقة الذرية بتعزيز مراقبتها للبرنامج النووي الإيراني لمدّة عشر سنوات، وأوقفت العمل بعدد من أجهزة الطرد المركزي. لقد جرّد أوباما وجون كيري الشعب الأمريكي من كبريائه وعزّة نفسه. وأضعفا إلى حد كبير المكانة العالمية لدولتهما العظمى التي كانت تفرض، قبل وقت غير بعيد، احترامها وتزرع الخوف في قلوب أعدائها.

يُتَّهم أوباما على نطاق واسع بأنه يقود من وراء الستار في ملفات السياسة الخارجية. لكن الوضع تبدّل الآن! لم يعد أوباما يقود بل بات يُقاد، وإذا لم تتنبّه دول مجلس التعاون الخليجي إلى ما تقوم به إدارة أوباما، عن قصد أو غير قصد، من تغيير للنظام الإقليمي، أخشى أننا ربما نساق إلى الذبح.

تبدو الحماسة التي اجتاحت العالم الإسلامي لدى سماع الوعود التي قطعها أوباما خلال زيارته إلى جامعة القاهرة عام 2009 وكأنها من زمن آخر. فقد دعا في ذلك الخطاب إلى فتح صفحة جديدة بين #الولايات_المتحدة والمسلمين. وتعهّد بتسليم العراق إلى العراقيين، لكنه تحول محافظة إيرانية بحكم الأمر الواقع. وتعهد بالعمل بصبر وتفانٍ على إقامة دولة فلسطينية، إلا أن هذا الهدف حُذِف من قائمة الأمور التي يسعى إلى إنجازها. وتراجع لاحقاً عن إنقاذ الشعب السوري، لكنه أدّى دوراً أساسياً في إطاحة معمر القذافي قبل أن يتخلّى عن ليبيا ويتركها في عهدة الميليشيات المسلّحة والإرهابيين. وما يزيد الطين بلة أنه متواطئ في تعزيز أطماع #إيران الأيديولوجية وأطماعها بالسيطرة على الأراضي.

لا يسعني سوى أن أطلب من قادة دول مجلس التعاون الخليجي التمعّن جيداً في المشهد الأكبر واتخاذ القرارات على هذا الأساس. إذا استمرت أمريكا في الإذعان للإملاءات الإيرانية، ربما حان الوقت لإعادة تقويم علاقتنا مع #واشنطن. فالصديق الذي يلعب على الحبلَين ليس صديقاً على الإطلاق.

تعليق
الرجاء المحافظة على تعليقاتك ضمن قواعد الموقع. يرجي العلم انه يتم حذف أي تعليق يحتوي على أي روابط كدعاية لمواقع آخرى. لن يتم عرض البريد الإلكتروني ولكنه مطلوب لتأكيد مشاركتم.
المزيد من المقالات بقلم