السبت، 04 يوليو 2020

على قادة العالم أن يعلّقوا

بقلم خلف أحمد الحبتور

© Shutterstock
© Shutterstock

يا له من عرض مؤثّر يقوده #حلف_شمال_الأطلسي (#الناتو) في مدينة نيوبورت الويلزية! يمتلئ "#عشب_المنزل_الأخضر" الذي غنّى له #طوم_جونز، بالدبابات والصواريخ فيما تستضيف مدينة كارديف سفناً حربية جبّارة. لا بد من أن أعداء الغرب يرتجفون خوفاً، لكنهم ليسوا كذلك. فهم يسخرون بالتأكيد من الخطاب الفارغ الذي يصدر عن قائد العالم الحر وحلفائه الأوروبيين، مجرد كلمات عقيمة ألقيت بحضور ممثّلين عن أربعة بلدان عربية. 

هل حضروا جميعهم إلى هناك لكتابة نص فيلم كوميدي ساخر عن الحياة من بطولة عادل إمام؟ فالوضع الذي نعيشه مهزلة يمكن أن يستوحي منها هذا الممثل المصري الأسطوري نصّ سيناريو لأحد أفلامه.

يشهد عالمنا أزمات غير مسبوقة اقترفتها يد الإنسان. يسأل الناس في كل مكان، وأنا منهم: "ماذا يحلّ بعالمنا؟" ننظر إلى قادتنا ونفكّر في أنفسنا، إذا كان هؤلاء الأشخاص مسؤولين عن حمايتنا، فليكن الله في عوننا.
قد يكون الأمر أغرب من أن يُصدَّق، لكن إليكم الحبكة. هيا عادل إمام، لا تنسَ أن تسجّل!

قرّرت عصابة من الفاشلين الذين يسعون خلف السلطة والثروة والسيطرة على الأراضي أن تخدع ضعفاء العقول من المسلمين الشباب عبر وعدهم بإقامة دولة إسلامية، أرض يوطوبية تمتدّ من #سوريا إلى #العراق على أن تضم في نهاية المطاف لبنان والأردن والكويت والسعوية، حيث تسود شريعة الجَلد والرجم بالحجارة وقطع الرؤوس والصلب ودفن الأطفال أحياء. في هذه "الخلافة السحرية"، يُمنَع على النساء اللواتي لا يمكن التعرف عليهن إلا من خلال عيونهن، مغادرة منازلهن إلا برفقة رجل من أقربائهن. تُحطَّم أجهزة التلفزيون. ويُمنَع على المدارس تدريس الموسيقى والفن والفلسفة. يُجلَد المدخّنون على مرأى من الجميع. وتُدهَن معالم أثرية بالأسود، لون أعلام تنظيم "الدولة الإسلامية".

يقول الأئمة المزيّفون للمؤمنين: "سنأخذكم إلى الجنّة، حتى لو اضطررنا إلى جرّكم بالسلاسل في الطريق إلى هناك". لا يستقطب هذا الجحيم على الأرض المقاتلين المثقّفين من الشواطئ البعيدة وحسب، إنما أيضاً الشابّات الغربيات المتلهّفات للزواج وإنجاب جيل جديد من المرضى النفسيين.

لقد نجح نحو 10000 إلى 15000 مقاتل مقنّع باللباس الأسود في الاستيلاء في البداية على أراضٍ شاسعة في #سوريا والعراق تفوق مساحة المملكة المتحدة، من دون أن يلقوا أي مقاومة تقريباً. تفرّ الجيوش من وجه أولئك السفّاحين كما الأرانب؛ أما الجنود الذين يتم أسرهم وتجريدهم من ثيابهم فيُعدَمون بلا رحمة. يهرب عشرات آلاف المدنيين إلى جبال قاحلة حيث يموت كثرٌ عطشاً. ويُضطر الوالدان المنهكان من الجوع والجفاف إلى ترك الأجداد والأولاد الصغار في الصحراء خلال الهروب.

في غضون ذلك، يرسّخ المتطرّفون دعائم دولتهم بواسطة كميات كبيرة من الأسلحة المصنوعة في أمريكا، ومبالغ طائلة يجمعونها من الإيرادات النفطية، والأموال التي ينهبونها من المصارف، والفديات التي يطلبونها للإفراج عن المخطوفين، وبيع النساء والفتيات في سوق الرق المحلية. لا يستطيع أحد أن يُعيب عليهم أنهم غير منظّمين. فهم يديرون منظمات أهلية، ويشرفون على مؤسسات عامة، ويُقرّون القوانين، ويستخدمون خبراء لتقديم المشورة إليهم في مجالات متعدّدة، ويتاجرون بموارد #العراق الطبيعية.

لا، سيد عادل إمام، هذا ليس فيلماً من القرن العاشر؛ إنها أحداث تدور في عالم اليوم. هل تفكّر في نفسك بأنها تفتقر إلى المصداقية؟ نعم، أعلم أن الجماهير المصرية ليست مغفّلة إلى هذه الدرجة لتصدّق مثل هذا السيناريو الغريب وغير الواقعي... لكن...

أمس، فيما كنت أشاهد الرجال الأكثر نفوذاً في العالم يناقشون كيف يجب التعاطي مع ما يُعرَف بـ"الدولة الإسلامية" خلال قمة #الناتو، شعرت بدنوّ الهلاك. يجب أن يكون الأمر محسوماً ولا حاجة إلى مناقشته! لا شك في أن القضاء على حفنة من المجرمين القتلة قبل تفشّي العدوى ليس بالتحدّي الصعب بالنسبة إلى قوة عظمى. لم تتردّد الولايات المتحدة وحلفاؤها في شنّ حرب للقضاء على أسلحة الدمار الشامل التي لم يكن لها وجود في عراق صدام حسين أو في اجتياح أفغانستان للتخلّص من ساكن الكهوف. في الحقيقة، عليهم أن يتحمّلوا مسؤولية صعود هذه العصابة؛ لقد استمدّ تنظيم "الدولة الإسلامية في #العراق والشام" الذي بات يُعرَف الآن بـ"الدولة الإسلامية"، القوة والشعبية من تقاعس أوباما في #سوريا وإحجامه عن التحرّك لوضع حد للمذبحة التي يشنّها النظام بحق شعبه. والنجاح الذي يحقّقه هذا التنظيم في الظاهر، وتساهم آلة البروباغندا المحكمة في تضخيمه، يبثّ مخالبه في السجون والأزقّة الخلفية والأنفاق، ما يولّد شبكة معقّدة من المخاطر.

لكن الرئيس أوباما ومعاونه ديفيد كاميرون أسقطا من حساباتهما إمكانية إرسال قوات برية لمحاربة تنظيم "الدولة الإسلامية". حتى تعهّداتهما بتسليح قوات البشمرغة الكردية التي تقاتل من أجل حماية إربيل والأقليات المحاصرة، لم تتبلور بعد على أرض الواقع. إلقاء القذائف على القوافل التابعة لتنظيم "الدولة الإسلامية" لن يؤدّي إلى القضاء عليه. لأن أولئك المتطرفين سيتوغّلون في أوساط السكان المحليين أو يعودون إلى شمال #سوريا لتنظيم صفوفهم من جديد. وقد أقرّ أوباما في كلام مثير للجدل بأنه ليست لديه أية استراتيجية لمهاجمة "الدولة الإسلامية" في معاقلها الرئيسة في #سوريا. وماذا عسانا نقول عن موقف ديفيد كاميرون؟ يا له من أمر مطمئن أن نعلم أن الحكومة البريطانية تجمع أدلّة ضد مقاتلي "الدولة الإسلامية" لإدانتهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية! أنا واثق من أن أولئك الصراصير الذين يفضّلون الموت على الحياة لا يغمض لهم جفن لأنهم يرتجفون خوفاً من أن ينتهي بهم الأمر خلف القضبان في لاهاي! يجب مكافحتهم بمبيدات الحشرات وليس بمثولهم أمام هيئة من القضاة.

إذا كانت الولايات المتحدة وأوروبا والناتو ترتعد خوفاً وجُبناً بما يجعلها عاجزة عن مواجهة هذا البلاء، عليها إذاً أن تستخدم مرتزقة وتضعهم تحت إمرة قادة عسكريين/استخباراتيين سابقين كي يقوموا بالمهمّة عنها، ويمكنها أن تستعين في هذا المجال بالشركات الأمنية، مثل شركة "بلاكووتر" السيئة الذكر التي زرعت الرعب في نفوس العراقيين عام 2003. من شأن مجموعة مافيوية من صقلية أن تكون أكثر فعالية من أوباما وزمرته. ربما يمكن إقناع تنظيم "الدرب المضيء" في البيرو أو "القوات المسلحة الثورية الكولومبية" (فارك) بتنفيذ المهمة.

لكن ثمة سؤال يقضّ مضجعي على وجه الخصوص. أين هم العرب؟ يدور كل هذا الجنون عند عتبة بابنا، ويُهدّدنا بطريقة مباشرة وفورية. واختباؤه خلف راية الإسلام ليس سوى اعتداء رجس على ديننا. وداعاً للكيان العربي؛ لقد بات العالم العربي مفكّكاً وفي حالة ضياع تام! يملك #مجلس_التعاون_الخليجي القوة النارية والخبرة الكافيتَين للتدخّل عسكرياً بمفرده. لا تحتاج دول #مجلس_التعاون_الخليجي إلى الحصول على إذن من واشنطن لحماية نفسها أو إخوتنا في #العراق وسوريا. ألا نشعر بالإحراج لأن الأكراد يحاربون بالنيابة عنا؟ إذا لم نقف في وجه هذا التهديد وسواه من التهديدات، مثل الخطر الذي يشكّله الحوثيون الشيعة المصمّمون على تدمير اليمن، لن تحلّ علينا لعنة التاريخ وحسب، بل إن الأجيال المقبلة لن ترحمنا أيضاً.

لا أبطال في هذا السيناريو الذي يدور أمام أعيننا؛ بل فقط مارقون وجبناء ومجانين يسيرون بنا نحو الهلاك. ليس قادتنا الذين تعهّدوا بصون مصالحنا، أهلاً للنهوض بالمهمة. ليس هناك بينهم رجالٌ قادرون على اتخاذ القرارات الصعبة. أما في ما يتعلق بأوباما وكاميرون، فليسا سوى مجرد ممثّلَين يتبختران بأدوار صغيرة في حبكةٍ تُسبّب لهما التوتّر الشديد. يبدو الرئيس الأمريكي وكأنه مصاب برهبة المسرح ويسعى يائساً للحصول على إشارات من رئيس الوزراء البريطاني. لا يتمتّع أيٌّ منهما بحضورٍ جدير بقائد قادر على إنقاذ العالم، من طينة #أبراهام_لينكولن أو #ونستون_تشرشل أو #دوايت_أيزنهاور، ناهيك عن الشخصيات العربية العظيمة، مثل عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد، الذين كانوا يقرنون القول بالفعل، ولم يكن هناك أي غبار على شجاعتهم.

في هذا الفيلم الرديء، تنتصر زمرة من الأشرار المتعطّشين للدماء. أصلّي فقط كي تُكتَب نهاية مختلفة لهذه الحبكة قبل أن تصل إلى مسارح قريبة منّا جميعاً.

نُشِرت في الصحف في 7 سبتمبر 2014
 

تعليق
الرجاء المحافظة على تعليقاتك ضمن قواعد الموقع. يرجي العلم انه يتم حذف أي تعليق يحتوي على أي روابط كدعاية لمواقع آخرى. لن يتم عرض البريد الإلكتروني ولكنه مطلوب لتأكيد مشاركتم.
المزيد من المقالات بقلم