السبت، 16 أكتوبر 2021

بوتين يتفوّق على أوباما في خصاله القيادية

بقلم خلف أحمد الحبتور

© Shutterstock

ليس من قبيل الصدفة أن نسبة التأييد للرئيس الروسي فلاديمر بوتن تراوح عند حدود 87 في المئة خلافاً لنسبة التأييد للرئيس أوباما التي تسجّل أدنى مستوياتها عى الإط اق لتصل إلى 34 في المائة، وفقاً لاستطلاع رأي أجرته مؤخراً شركة "فرانكلن أند مارشال"، في حن أن 36 في المئة فقط من الأمريكين يدعمون سياسته الخارجية. تلك الأيام المحمومة عندما لقي أوباما استقبال نجوم الروك في برلن والقاهرة حام اً رسالته "نعم، نستطيع" قد أصبحت من الماضي البعيد.

الحقيقة هي أنه لم يستطع ولم يفعل. ففي ا يتخبّط العالم في الأزمات في العراق وسوريا وغزة وأوكرانيا، ذهب قائد العالم الحر، ك ا يُسمّى، في عطلة والتُقطت له صور مع ابتسامة عريضة عى وجهه في ملعب للغولف بين ا كان مكتب التحقيقات الفدرالي يحذّر من أن تنظيم "داعش" يشكّل تهديداً محلياً خطراً.

الإرث الذي سيخلّفه أوباما هو "أمّة في حالة تراجع"، ك ا قال أحد المحللن؛ يتّهمه خصومه السياسيون عن حق بأنه يقود من الخلف. في عهد أوباما، فقدت القوة العظمى هيبتها. يحقّق نظراء أوباما في أوروبا أداء أفضل إلى حد ما في نسب التأييد ما عدا المستشارة الألمانية أنجي ا مركل التي تحصد أرقاماً مرتفعة؛ واحد عى الأقل من بينهم وهو الرئيس الفرني فرانسوا هولاند يتخبّط مع نسبة تأييد لا تتعدى ال 17 في المئة.

تكشف تلك النسب أن القائد يحتاج إلى أكر من مجرد اللباقة في الكلام، وابتسامة هوليوودية، وبذلة مصمّمة عى الطلب كي يكون فعالاً. قد تساعد الكاريزما عى الفوز في الانتخابات، لكن سرعان ما يرى الرأي العام أبعد من الواجهة ويطالب بنتائج ملموسة. لا بوتن ولا مركل يتمتعان بكاريزما طبيعية؛ فهو بارد وصارم ويعاني من نزعة ذكورية فظة؛ وهي غر أنيقة المظهر ورابطة الجأش وكلامها صريح ومباشر. لكن كليه ا يحظيان بموضع احرام لما يقومان به، ولتمسّكهما بما يؤمنان به.

أثبت بوتن بأنه من النوع الذي يحمي حلفاءه. يساند أصدقاءه، وعندما يتّخذ قراراً، يتمسّك به مه ا كانت العوائق التي تعرض طريقه. وهذه خصال مثرة للإعجاب لدى أي شخص كان، وأساسية كي يكون القائد ناجحاً.

كان، وأساسية كي يكون القائد ناجحاً. إذا كنتم تعتقدون أنني عضو مأجور في نادي المعجبن بفلاديمر بوتن، اسمحوا لي أن أصوّب الأمور. أنا أكره شخصه كثرا. فقد نجح في حشد مجموعة من الحلفاء المارقن الذين أفادوا إلى حد كبر من جيشه وسخائه الدبلوماسي والاقتصادي. إنه لأمر مشن فع اً أن روسيا تحمي الديكتاتور السوري الرهيب، بشار الأسد، المسؤول عن مقتل أكر من 140000 مواطن من شعبه. لا تستطيع البشرية أبداً أن تسامح الأسد عى جرائمه التي ارتُكِبت بس اح روسي الصنع. ع اوةً عى ذلك، إنه لأمر مخزٍ فع اً أن بوتن يناصر الولاء لجمهورية إيران الإس امية التي تشكّل واحداً من أكر المخاطر التي تُهدّد المنطقة عن طريق عملائها ونشرها لعقيدتها المثرة للانقسام، بما يتسبّب بتأجيج النزاعات الطائفيّة في سوريا ولبنان والعراق واليمن والبحرين ولبنان والعراق واليمن والبحرين. ولاءات بوتن ليست في محلّها. فهو يتحمّل مسؤولية إعطاء الأولوية للمصالح الوطنية ولعبة النفوذ الجيوسياسي عى حساب الأخلاقيات وأصول الترّف. في المقابل، يتحمّل أوباما مسؤولية اختيار الوقوف في الجهة المناسبة، لكنه يعود فيخذل أصدقاءه مراراً وتكراراً لأنه يفتقر إلى شجاعة الدفاع عن اقتناعاته.

يفتقر إلى شجاعة الدفاع عن اقتناعاته. لقد تخىّ الرئيس الأمريي عن "الجيش السوري الحر"، أولاً عر تجاهل مناشداته لتزويده بالأسلحة الثقيلة، وثانياً عر العودة عن التزامه المعلَن بشنّ هج ات عى المنشآت العسكرية التابعة للنظام السوري. وصمّ آذانه أيضاً عن طلبات المساعدة التي أطلقتها الحكومة العراقية قبل عام من أجل القضاء عى التهديد من جانب تنظيم "داعش" الذي يوسّع انتشاره الآن ويستقطب مجنّدين جدداً ويُهدّد أمن العواصم الغربية. وكيف تعامل أوباما مع مقتل 2174 شهيد فلسطيني عى أيدي إسرائيل في غزة؟ حيث أكّد مراراً وتكراراً أنه يحقّ لإسرائيل الدفاع عن نفسها. فض اً عن ذلك، ألقى الرئيس المري عبد الفتاح السيسي اللوم عى أوباما لأنه أدار ظهره للمصرين مضيفاً أنهم لن ينسوا ذلك أبداً. وهم لم ينسوه بالفعل. فقد أجرت مر وروسيا محادثات حول التعاون العسكري ووقّعتا صفقة أسلحة بقيمة مليارَي دولار أمريكي.

لم يحرّك أوباما ساكناً للتصدّي لقيام موسكو بضم شبه جزيرة القرم، ما عدا التذمّر وفرض عقوبات عى روسيا، بالتعاون مع #الاتحاد_الأوروبي، لكن هذه العقوبات ارتدّت عى أصحابها وسدّدت ضربةً قوية للاقتصادات الأوروبية. وسط الاتهامات بأن القوات الروسية "اجتاحت شرق أوكرانيا لتعزيز القوة النارية للثوار الموالن لروسيا، ينظر #الاتحاد_الأوروبي في فرض مزيد من العقوبات القوية عى روسيا، لكن من شأن هذه العقوبات أن تؤذي الجهة التي فرضتها أكر من الجهة التي فُرِضت عليها، ك ا كتبت فوهيني فارا في مجلة "#نيويوركر" تحت عنوان "من يؤذي بوتن يؤذي نفسه".

ينقل المقال عن رئيس الوزراء المجري فيكتور أوران قوله بأن العقوبات ألحقت الأذى بالغرب أكر م ا فعلت بروسيا. ففي حن تناقش واشنطن وبروكسل العقوبات الإضافية التي يجب فرضها عى بوتن لدفعه إلى الإذعان، حظرت موسكو الواردات الزراعية من الغرب ولم تهدر وقتها في العثور عى مموّنن جدد متلهّفن للتعامل معها. وفي حال ساءت الأمور أكر، قد تعمد روسيا إلى إغ اق خطوط أنابيب الغاز، وبالتالي سوف ترتجف أوكرانيا وأجزاء من أوروبا من الرد في الشتاء. وفي سياق الآثار الجانبية لهذه العلاقة المتشنّجة، جدّدت موسكو وبيكن التأكيد عى العلاقات بينه ا عر توقيع اتفاق بقيمة 400 مليار دولار أمريي تقوم روسيا بموجبه بتزويد الدولة التي تضم العدد الأكر من السكّان في العالم ب 1.3 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي سنوياً بدءاً من عام 2018.

تاريخياً، نادراً ما تنجح العقوبات. ونظراً إلى عناد الرئيس الروسي، لن تنجح هذه المرة أيضاً في إقناعه بتغير مساره. عى النقيض، ستقوده عى الأرجح إلى المجازفة بكل شيء وشنّ هجوم شامل لاجتياح شرق أوكرانيا. في الأيام الأخرة، برز بما يدعو للقلق حديث بوتن عن أن روسيا دولة مسلّحة نووياً. في المقابل، يبدو أوباما ونظراؤه الأوروبيون مثل أولاد تنتابهم نوبات غضب عندما يأخذ أهلهم ألعابهم منهم. فهم يزيدون الطن بلة في هذا المأزق الخطر عر توجيه الإهانات الشخصية، وتعزيز قوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) في البلدان القريبة من الحدود الروسية، والموافقة، في المبدأ، عى طلب كييف الانض ام إلى الناتو، الأمر الذي اعتره بوتن خطاً أحمر. ببسيط العبارة، أوباما وأصدقاؤه عاجزون عملياً عن ردع بوتن، إلا إذا كان الغرب مستعداً لإشعال شرارة حرب عالمية ثالثة.

باختصار، في حال أُرغِمتُ عى الاختيار بن المهارات القيادية لبوتن الذي يفي بالتزاماته، وأوباما الذي يكتفي بالأقوال من دون أفعال عى الأرض، لن أتردّد في اختيار الأول. إذا صدف أن التقيت بوتن ذات يوم، مع أنه أمر مستبعد جداً، سأحيّيه قائ اً: "ربما لا أحب شخصك ولا أوافق عى سياساتك، لكنني أكنّ لك التقدير لأنك تفي بالتزاماتك. لقد اتّخذت قرارات صعبة وحده القائد القوي والواثق من نفسه يستطيع اتّخاذها، ولذلك كسبت احترامي".

تعليق
الرجاء المحافظة على تعليقاتك ضمن قواعد الموقع. يرجي العلم انه يتم حذف أي تعليق يحتوي على أي روابط كدعاية لمواقع آخرى. لن يتم عرض البريد الإلكتروني ولكنه مطلوب لتأكيد مشاركتم.
المزيد من المقالات بقلم