الأربعاء، 02 ديسمبر 2020

دول الخليج بيادق في “لعبة كبرى” جديدة

بقلم خلف أحمد الحبتور

Shutterstock ©

بدأت أجزاء الأحجية تكتمل شيئاً فشيئاً، ويبدو أن الصورة التي بدأت معالمها تتشكل وتظهر للعيان لا تبشّر بالخير لدول الخليج والسنّة العرب. لقد أعاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إحياء الحرب الباردة بين روسيا والغرب، إنه يتحسّر على تفكك الاتحاد السوفياتي وفقدان روسيا لمكانتها كدولة عظمى، ويأسف بشكل خاص لتعاونه في السابق مع الاجتياح الذي قاده جورج دبليو بوش في العراق والذي كانت كلفته باهظة جداً على موسكو على الصعيدَين الاقتصادي والجيوستراتيجي. فقد خسرت روسيا ثمانية مليارات دولار أمريكي على شكل صفقات لم تُنجَز، وأسفرت الحرب أيضاً إلى انتشار القواعد العسكرية الأمريكية في مختلف أنحاء الشرق الأوسط والقوقاز وآسيا الوسطى. ومع إتساع الاتحاد الأوروبي بحيث أصبح على مسافة قريبة جداً ومقلقة من الأراضي الروسية، لم يخرج الدب من قفصه وحسب بل إنه في حالة هيجان شديد.

بوتين مصمّم على العودة بالقوّة إلى المنطقة، ولذلك لا يتورّع عن إقامة تحالفات مشبوهة مع بلدان معادية للغرب من مبدأ أن «عدوّ عدوي هو صديقي»، هذا فضلاً عن المصالح المتبادلة والطموحات المشتركة. فعلى النقيض من الجزء الأكبر من العالم، لا تخشى موسكو تسلُّح إيران نووياً. بل إنها من أكبر مورّدي الأسلحة إلى طهران، وقد زوّدتها على مر السنين بالتكنولوجيا النووية والصاروخية فضلاً عن المعدّات الثقيلة. واليوم، تنشط في دعم البرنامج النووي الإيراني بواسطة الخبرة الفنية إلى جانب تزويد إيران بمكونات المفاعلات النووية، وبالتالي فإنها تحصل على المنافع المادية المجزية والتي تحقّقها من الصفقات التجارية والتي تصل قيمتها إلى أكثر من أربعة مليارات دولار سنوياً.

تحذّر روسيا الغرب باستمرار من أن ضرب المواقع النووية الإيرانية سيتسبّب بكارثة. ففي أغسطس الماضي، حذّرت وزارة الخارجية الروسية الولايات المتحدة من مغبّة فرض عقوبات أحادية الجانب على إيران، فقد ورد في رسالة نُشِرت على موقعها الإلكتروني «يجب أن تفهم واشنطن أن العلاقات الثنائية بيننا ستتأثّر كثيراً إذا طالت القيود الأمريكية الكيانات الاقتصادية الروسية التي تتعاون مع شركاء في الجمهورية الإيرانية الإسلامية بما يتماشى تماماً مع تشريعاتنا وقرارات مجلس الأمن الدولي».

فضلاً عن ذلك، أخذت موسكو عهداً على نفسها بعرقلة أيّ محاولة يبذلها المجتمع الدولي لفرض عقوبات عن طريق الأمم المتحدة أو اللجوء إلى التدخّل العسكري لوقف المجازر في سوريا، ولا تألو جهداً لدعم الحليف الأقرب لإيران، الرئيس بشار الأسد، هذا القاتل المتوحش المسؤول عن مصرع ما يزيد عن ثلاثين ألفاً من أبناء شعبه ودمار مساحات شاسعة من البلدات والمدن السورية بواسطة الدبّابات والمروحيات الروسية الصنع. بقاء الأسد في السلطة ضروري لتتمكّن إيران من تحقيق طموحاتها بالسيطرة على المنطقة، فسوريا الموالية للشيعة هي بمثابة خط تموين لعملاء إيران.

في لعبة المزايدات الدائرة بين روسيا والولايات المتحدة، يمكن أن يضيف بوتين الآن نقطة أخرى إلى رصيده، ألا وهي العراق. فهذا البلد الذي يُفترَض أنه حرّ وديمقراطي قدّمه الحلفاء الغربيون هديّة إلى إيران - وامتداداً إلى موسكو. ليس سراً أن الحكومة العراقية التي يسيطر عليها الشيعة تتألّف من أشخاص هم بمثابة دمى في أيدي الإيرانيين فلا يتّخذون قراراتهم من دون الحصول على ضوء أخضر من طهران أو قم. لهذا اعترض العراق، إلى جانب عضوَين آخرين فقط في الجامعة العربية، على النداء الذي وجّهته الجامعة إلى نظام الأسد للتنحّي من السلطة.

من السذاجة بمكان أن تتوقع النخبة السياسية والعسكرية في أمريكا حصولها على امتنان من العراقيين. لكنني لا أظنّ أنهم توقّعوا أن حكومة المالكي ستقفز بهذه السرعة لتحطّ على متن السفينة الروسية. فقد أسفرت زيارة رئيس الوزراء العراقي الأخيرة نوري المالكي إلى نظيره الروسي ديميتري ميدفيديف عن تجدّد التعاون الثنائي في مجالات عدّة منها الدبلوماسية والعسكرية والطاقة وقطاع الطيران والتجارة.

وأكثر من ذلك، شكّل يوم التاسع من أكتوبر الجاري محطّة مفصليّة في تاريخ العلاقات الآخذة في الازدهار والنمو بين موسكو وبغداد. فقد أعلنت روسيا عن توقيع عقد بقيمة 4.2 مليارات دولار أمريكي لبيع أسلحة إلى بغداد بينها مروحيات هجومية «إم آي-28» وصواريخ أرض جو «بانتسير-21». وبما أن هناك رابطاً قوياً بين العراق وإيران - لطالما حذّرتُ من احتمال قيام اتّحاد فدرالي إيراني-عراقي - تدقّ هذه الخطوة مسماراً إضافياً في نعش الهشاشة التي تعاني منها دول الخليج. تذكروا كلامي جيداً! سيأتي يومٌ تُصوَّب فيه تلك الأسلحة ضدّنا. بإمكان إيران والعراق مجتمعتَين أن تُهدّدانا في عقر دارنا.

تزداد إيران عدوانية. لقد عادت مجدّداً لتطالب زوراً بضم البحرين إليها، وفرضت على شركات الخطوط الجوية بالقوّة استخدام تسمية «الخليج الفارسي» بدلاً من «الخليج العربي»، وأطلقت تهديداتها المتكررة بشأن حقول النفط في الخليج وإغلاق مضيق هرمز. ولذلك لم أفاجأ لدى مشاهدة التقارير الإعلامية التي نقلت عن الناطق باسم وزارة الخارجية الإيرانية قوله بأن إيران تفكّر في قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات على خلفية المطالبة الإماراتية باستعادة الجزر الثلاث - أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى - التي احتلّها الشاه بالقوّة في العام 1971.

فقد تساءلت في نفسي «أيُّ دعابة هذه؟ هل تتوقّع إيران من الإمارات أن تنكفئ وتقبل بأن تظلّ جزرها مسروقة مقابل استمرار علاقات الصداقة والتجارة مع إيران؟» بادئ ذي بدء، ليست إيران حليفتنا ولم تكن كذلك يوماً؛ ثانياً، مع ترنّح الاقتصاد والعملة الإيرانيَّين تحت تأثير العقوبات من الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، تحتاج إيران إلى الإمارات التي تُعَدّ من شركائها التجاريين الأساسيين أكثر بكثير مما نحتاج نحن إليها. من الواضح أن هناك من فكّر بالطريقة نفسها من السلطات العليا في الحكومة الإيرانية. ففي اليوم التالي، سعت وزارة الخارجية الإيرانية إلى احتواء الأضرار عبر تكذيب التقارير واعتبارها عارية عن الصحّة.

سواء كانت صحيحة أم لا، لقد حان الوقت لنثبت لإيران أن الزمن الذي كانت تدوس فيه على كرامتنا قد ولّى. ماذا ننتظر؟ يجب أن نبادر فوراً إلى إغلاق سفارات دول مجلس التعاون الخليجي في طهران، ومنع الطائرات الإيرانية من دخول مجالنا الجوّي، وإعطاء التعليمات لمصارفنا بتجميد حسابات المسؤولين الإيرانيين وحظر مختلف أشكال التجارة والأعمال مع طهران. وينبغي علينا أيضاً أن نُقنع جيراننا العرب الذين تربطنا بهم علاقة صداقة، بأن يفعلوا الشيء نفسه.

من شأن مثل هذه الخطوات أن تنسجم مع مواقف غالبية أعضاء مجلس الأمن الدولي حيال إيران، لا بل أكثر من ذلك، فإن كل ما يساهم في عزل إيران عن الساحة الدولية سوف يساعد على إسقاط نظام آيات الله من الداخل. في الواقع، تشير التظاهرات الأخيرة المناهضة للحكومة على خلفيّة التراجع الشديد في قيمة العملة الإيرانية، إلى استياء مجتمع الأعمال الذي خاب أمله في أحمدي نجاد وحكومته.
بانتظار أن يقرّر الشعب الإيراني التخلّص من قبضة القمع وإعادة بلاده إلى مجموعة الدول المُحِبّة للحرّية، على مجلس التعاون الخليجي أن يقطع علاقاته بهذه الدولة المنبوذة والخطيرة. كما قلت المرة تلو الأخرى، ينبغي على دول الخليج أن تتوحّد في ظل اتّحاد فدرالي جامع، وتعزّز حدودها البحرية والجوية والبرية المشتركة، وتبني إمكانات عسكرية قويّة وموحّدة كي نكون لاعبين أساسيين لا مجرّد بيادق.

تعليق
الرجاء المحافظة على تعليقاتك ضمن قواعد الموقع. يرجي العلم انه يتم حذف أي تعليق يحتوي على أي روابط كدعاية لمواقع آخرى. لن يتم عرض البريد الإلكتروني ولكنه مطلوب لتأكيد مشاركتم.
المزيد من المقالات بقلم