الإمبراطورية العثمانية الجبارة التي امتدت أراضيها على ثلاث قارات اختفت منذ زمن طويل وبدت تركيا طوال عقود عديدة مضت وكأن مصيرها هو الجلوس على مقاعد المتفرجين في ميدان الشؤون الدولية. غير أن هذه الدولة ذات الأهمية الاستراتيجية بأراضيها التي تتوزع على القارتين الأوربية والآسيوية تمكنت من تحقيق قفزات اقتصادية ضخمة وطورت هوية وطنية أقوى وأرست تحالفات جديدة وبدأت طريقها نحو أن تصبح قوة كبيرة على الصعيد العالمي.



 


كانت الإمبراطورية العثمانية في ذروة مجدها في القرن السادس عشر وبدايات السابع عشر قوة لا تقهر. وهيمنت في تلك المرحلة على مناطق شاسعة من أوروبا وإفريقيا فيما اشتملت أراضيها في آسيا على شمال العراق والأردن وفلسطين وعمان واليمن وأجزاء من لبنان والمملكة العربية السعودية.

الإمبراطورية العثمانية
توسعت الإمبراطورية العثمانية في ظل السلطان سليم وخلفه السلطان سليمان الكبير براً وبحراً غير أنها في القرون اللاحقة أخذت تعاني من الركود نتيجة تعاقب سلاطين شاب حكمهم الضعف إلى جانب تزايد التحديات الأوربية لقوتها العسكرية التي لم تتمكن من مسايرة التطورات التقنية الحديثة.
ومع نهاية القرن التاسع عشر كانت الإمبراطورية العثمانية مثقلة بديون باهظة للمصارف الأوربية وبدأت تلفظ أنفاسها الأخيرة عقب الثورة التي قامت بها حركة تركيا الفتاة على يد ضباط ساخطين. ثم أتت الثورة العربية في 1916 لتدق مسماراً آخر في نعش الإمبراطورية قبل أن تقود هزيمتها في الحرب العالمية الأولى إلى معاهدة سيفرز وهي معاهدة السلام الشهيرة التي وقعت في مصنع سيفرز للخزف والتي أودت إلى تقسيم الإمبراطورية العثمانية وظهور دول مستقلة جديدة كانت تابعة لها سابقاً.
ثم بدأت الحركة القومية التركية بزعامة قائد الجيش مصطفى كمال باشا حرب استقلال لإلغاء معاهدة سيفرز وطرد قوات الحلفاء. وبعد أن نجحت في تحقيق الهدفين ألغيت معاهدة سيفرز ووقعت بدلاً منها معاهدة لوزان التي أعيدت بموجبها أراضي أناضوليا وأجزاء الدولة الشرقية من الإمبراطورية العثمانية إلى تركيا. وبموجب المعاهدة الجديدة تم الاعتراف بالجمهورية التركية الوليدة وريثة للإمبراطورية العثمانية في 29 أكتوبر 1923.

مصطفى كمال
ورث العثمانيون إرثاً تاريخياً عريقاً في كل الأراضي التي فتحوها تنوع بين العمارة والموسيقى والعلوم والتقنية وفنون الطهي والتعليم. غير أن مصطفى كمال "أتاتورك" هو الذي دفع بتركيا لتعمل على العودة من جديد إلى القرن العشرين. ولد مصطفى كمال لعائلة تركية تعيش خارج مدينة سالونيكا وفقاًَ لمعظم الروايات التاريخية، مع أن مجلة تايم ذكرت أن أباه كان ألبانياً وأمه مقدونية. أبوه، علي رضا أفندي، كان ضابطاً في ميليشيا غير أنه سمى نفسه باسم كمال وهو اسم أطلقه عليه معلمه للرياضيات. وبعد تخرجه من الكلية الحربية في 1905 انضم إلى حزب تركيا الفتاة وقام بدور قيادي في الثورة على السلطان العثماني.
وعندما أصبح مصطفى كمال رئيساً للجمهورية التركية عمل على دراسة الدساتير والمؤسسات في الدول الغربية العصرية المزدهرة التي اختارها وطورها بحيث تناسب حاجات تركيا. وكانت البداية بنقل عاصمة الدولة إلى أنقرة ورفض نظام الحكم الشمولي مفضلاً الحكم المباشر عبر جمعية وطنية.

ومن إصلاحاته الأخرى فصل الدين عن الدولة وفصل النظام التعليمي عن الدارس الشرعية التقليدية وفرض إلزامية التعليم لكل الأطفال. وبدأ عام 1928 العمل على علاج مشكلة الأمية المتفشية بفرض أبجدية جديدة للكتابة بدلاً من الأبجدية العربية التي ظلت تعلم للكبار في مراكز مخصصة للتعليم والثقافة سميت بيوت الشعب.

ومدفوعاً برغبته في إضفاء الطابع الأوروبي على البلاد حظر مصطفى كمال اعتمار الطربوش وفرض القبعات الغربية بدلاً منه كما حظر العمائم ومنع النساء من ارتداء الحجاب. وأسس أول مصرف مركزي في تركيا وأنشأ شبكة خطوط حديدية وبدأ إنتاج أول طائرة محلية الصنع، إم إم في 1. وعلى الرغم من نشأته العسكرية، أرسى سياسته الخارجية على مبدأ الحل السلمي للنزاعات وأحجم عن التورط في أي نزاعات عسكرية طوال فترة حكمه.
وبطبيعة الحال فقد واجهت إصلاحاته معارضة من قبل المحافظين والتقليديين الذين يحنون لأيام الإمبراطورية، غير أنه تمتع بشعبية واسعة وما يزال حتى يومنا هذا. وفي التاسعة وخمس دقائق في العاشر من نوفمبر من كل عام يقف الأتراك دقيقة صمت في ذكرى وفاته كما تعتبر الإساءة لاسمه عملاً يحظره القانون.
وبقيت تركيا على حيادها طوال الحرب العالمية الثانية لكنها انضمت للحلفاء في 1945 لإظهار حسن نواياها تجاههم كما انضمت للأمم المتحدة باعتبارها عضواً مؤسساً. وأبرمت عام 1947 معاهدة مع الولايات المتحدة تضمن فيها أمنها في مواجهة الطموحات السوفييتية كما انضمت في 1952 لحلف شمال الأطلسي لمنع الاتحاد السوفييتي من إنشاء قواعد عسكرية له على سواحل المتوسط.

عقود الاضطراب
كانت عقود الستينات والسبعينات والثمانينات أزمنة سادها الاضطراب في تركيا نتيجة سلسلة من الانقلابات العسكرية والتمرد الكردي الذي أودى بحياة أكثر من 40 ألف إنسان حتى الآن. ثم استغلت تركيا الانقسام السياسي في قبرص في 1974 بعد الإطاحة برئيس الدولة القس ماكاريوس على يد عسكريين يونانيين فغزت الجزيرة واحتلت 37 في المئة من أراضيها بدعم من الولايات المتحدة وحلف الأطلسي. ثم أسست هناك جمهورية شمال قبرص التركية بحيث أصبحت الجزيرة منقسمة إلى دولتين ولم تعترف أي دولة في العالم بها باستثناء تركيا.
وفي 1980 انقلب العسكر على الحكومة المدنية وفرضوا الأحكام العسكرية على 20 من أصل 67 محافظة تركية. وعاد العسكر بعد سنتين ليسلموا السلطة إلى حكومة مدنية بقيادة ترغوت أوزال الذي شرع في تنشيط الاقتصاد التركي. وبعد مرحلة ممتدة من القلاقل السياسية والمصاعب الاقتصادية عقب وفاة أوزال في 1997، أجبر العسكر رئيس الوزراء نجم الدين أربكان على الاستقالة. وتشكلت حكومة ائتلافية من حزب الفضيلة وحزب اليسار الديمقراطي عملت على حصول تركيا على عضوية الاتحاد الاقتصادي الأوروبي (الاتحاد الأوروبي).

عضوية الاتحاد الأوروبي
تقدمت أنقرة بطلب الانضمام للاتحاد الأوروبي في 14 إبريل 1987 غير أن أنقرة انتظرت حتى ديسمبر 1999 قبل قبول طلبها رسمياً. وبدأت المفاوضات على العضوية في 2005، مع أن أقرب موعد محتمل لانضمامها هو 2013 في حال اعتبر الاتحاد أن طلب انضمامها يتوافق مع 35 فصلاً تشكل دستور الاتحاد الأوروبي.
ويشير الأوروبيون من أنصار الملف التركي إلى الأهمية الاستراتيجية للموقع التركي واقتصادها المزدهر وقوتها العسكرية. أما الآخرون من مثل النمسا وفرنسا فيقاومون انضمام تركيا. وعلى سبيل المثال قال الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي أن لا مكان لتركيا في أوروبا فيما ترغب النمسا بأن يبقى الاتحاد الأوروبي "نادياً مسيحياً". وعلى الرغم من كل محاولات تركيا لتلبية متطلبات العضوية في الاتحاد الأوروبي وقوة اقتصادها إلى أن فرصها في ذلك ما تزال ضعيفة. والنتيجة هي أن الأتراك منقسمون اليوم بين مؤيدين ومعارضين لمواصلة محاولات نيل العضوية حيث أظهر استطلاع للرأي أجري في 2009 أن 32 في المئة من الأتراك لديهم آراء سلبية عن الاتحاد الأوروبي.
وقد دفع رفض "أوروبا القديمة" الظاهر لفتح أبواب أوروبا أمام تركيا هذه الدولة إلى البحث عن أصدقاء أقوياء جدد. وهذا التغير الجذري في المسار التركي بدأ في 14 مارس 2003 مع تسلم رجب طيب أردوغان، زعيم حزب العدالة والتنمية، منصب رئيس الوزراء.

أردوغان رئيساً للوزراء
رجب طيب أردوغان هو ابن لمسلم ورع كان يعمل في حرس السواحل التركي. وعمل في شبابه بائعاً لعصير الليمون والكعك بالسمسم في شوارع أحد أحياء اسطنبول الفقيرة ليكسب رزقه. ثم تخرج من الجامعة بشهادة في إدارة الأعمال ومارس كرة القدم كلاعب شبه محترف قبل انتخابه محافظاً لمدينة اسطنبول. وطوال السنوات التي أمضاها في رئاسة الوزراء حافظ أردوغان على توازن دقيق بين ميوله الإسلامية والمؤسسة العسكرية التي أقسمت على حماية علمانية الدولة التركية.

السياسة الخارجية
على صعيد السياسة الخارجية عزز أردوغان علاقات بلاده مع الولايات المتحدة على الرغم من معارضته القوية والعلنية لغزوها العراق حينما منعت تركيا الولايات المتحدة من استخدام الأجواء التركية لمهاجمة العراق. والولايات المتحدة تدعم بقوة طلب تركيا الانضمام للاتحاد الأوروبي وتضغط على الدول الأوروبية بالنيابة عن أنقرة لتحقيق هذا الهدف.
وفي مقابل ذلك ما تزال القضية الأرمنية- التي وصفها البيت الأبيض بأنها "تطهير عرقي"- مسألة خلافية بين الدولتين فيما توجد داخل الولايات المتحدة أصوات قوية ومؤثرة تنتقد أردوغان لما تقول إنه توجيه أردوغان للسياسة التركية الخارجية نحو محور إسلامي.
كما أن علاقات تركيا المتنامية مع إيران هي من دواعي التخوف لدى واشنطن أيضاً. وقد شهد العام الماضي زيارات متبادلة عالية المستوى بين إيران وتركيا نوقشت فيها الفرص المتاحة لتطوير التعاون بين البلدين. كما ستنظر الولايات المتحدة إلى الدور التركي في تعزيز الاتفاق بين البرازيل وإيران بخصوص تبادل اليورانيوم والهادف إلى إحباط فرض عقوبات دولية جديدة على إيران باعتباره صفعة لها.
نجح أردوغان في تطبيع علاقات بلاده مع خصمها القديم اليونان كما توصل لمصالحة مع أرمينيا. واستضاف في 2004 الرئيس السوري التي كانت أول زيارة يقوم بها رئيس سوري لتركيا منذ 57 عاماً فيما أصبح في مارس الماضي أول زعيم تركي يزور العراق منذ 33 عاماً.
وعلى صعيد آخر بدأت علاقات تركيا الهشة مع روسيا ببلوغ آفاق غير مسبوقة. وتوصلت الدولتان في مايو الماضي إلى اتفاق لإلغاء تأشيرات الدخول على حركة مواطنيهما بينهما وتوقيع صفقة لبناء مفاعلات نووية بمليارات الدولارات.
تراجع العلاقة مع إسرائيل
في المقابل تعرضت العلاقات التركية مع إسرائيل لتدهور كبير. كانت تركيا أول دولة مسلمة تعترف بإسرائيل وطورت معها علاقات ودية حتى وقت قريب حين هاجمت إسرائيل سفينة الإغاثة التركية في المياه الدولية وقتلن ثمانية مواطنين أتراك من نشطاء السلام إضافة إلى تاسع أمريكي من أصل تركي. كما عبرت تركيا عن غضبها الشديد من الحرب الإسرائيلية على غزة التي وصفها أردوغان بأنها "جريمة ضد الإنسانية" كما اصطدم علناً مع الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز في مؤتمر دافوس في 2009 ووبخه علناً لأنه دافع عن جرائم إسرائيل.
ثم سارت العلاقات الدبلوماسية التركية الإسرائيلية نحو مزيد من التوتر بعد أن بثت قناة تلفزيونية تركية حكومية مسلسلاً يتحدث عن اضطهاد الإسرائيليين للفلسطينيين ثم مسلسلاً آخر في 2010 عن اختطاف الموساد لأطفال أتراك وهو ما كان السبب وراء إهانة نائب وزير الخارجية الإسرائيلي للسفير التركي في إسرائيل أمام كاميرات التلفزيون.

اقتصاد مزدهر
إن لم تسارع أوروبا إلى دعوة تركيا الآن للانضمام إليها فربما يأتي اليوم الذي ترد فيه على مثل هذه الدعوة بالاعتذار عن تلبيتها بكل معنى الكلمة. فيما تنكمش اقتصادات أوروبا ينمو الاقتصاد التركي ويدخل أسواقاً جديدة. وبنمو يبلغ 5.1 في المئة سنوياً يحققه الاقتصاد التركي- وفقاً لتقرير أصدرته مؤسسة برايس وترهاوس كوبرز- تنتظر تركيا أن يتضاعف حجم اقتصادها ثلاث مرات بحلول 2050 حين سيصبح اقتصادها بحجم اقتصاد إيطاليا ويتفوق إجمالي ناتجها القومي على الناتج القومي الألماني.
الخلاصة

تخشى بعض العواصم الأوروبية والعربية من أن أردوغان يشعر بالارتياح أكثر وهو في دمشق وطهران وموسكو مما يشعر به في نيويورك أو لندن أو القاهرة. وإن كان الأمر كذلك بالفعل، فلا يلومن الأوروبيون والعرب على ذلك سوى أنفسهم. فيما كانت بروكسل نائمة، برزت أنقرة قوة اقتصادية ودبلوماسية وعسكرية مستقلة. وحري بأوروبا أن تتوقف عن الشخير وأن ترحب بأنقرة عضوة فيها ما دامت الدعوة ما تزال مقبولة في تركيا.  

 | الصفحة الرئيسية | مجموعة الحبتور | فنادق حبتور | دياموندليس | مدرسة الإمارات الدولية
الملكية الفكرية 2010 محفوظة لمجموعة الحبتور
| جميع الحقوق محفوظة
لايجوز إعادة نشر المقالات والمقتطفات منها والترجمات بأي شكل من الأشكال من دون موافقة مجموعة الحبتور
الموقع من تصميم ومتابعة الهودج للإعلانات ـ دبي هاتف: 2293289