هل سبق أن خطر لك تعلم اللغة العربية إن لم تكن من الناطقين بها؟ إن كنت من متحدثي الإنكليزية أو الإسبانية أو البرتغالية أو الهندية أو البنغالية أو المالاوية أو الإندونيسية أو البشتونية أو الكردية أو البربرية أو المالطية أو التركية أو الغوجاراتيةن فربما تتفاجأ إن عرفت أنك تستخدم بالفعل عدداً كبيراً من الكلمات ذات الأصول العربية. بالتأكيد أن كل من دخل بقالة ليسأل عن برتقال أو ليمون أو مشمش أو أرضي شوكي أو قهوة أو سكر أو اشترا صوفا أو اشتكى من الأنفلونزا بلغته فقد نطق بكلمات عربية سواء أدرك ذلك أم لا.

اللغة العربية التي يتحدث بها 186 مليون عربي ويعود تاريخها إلى القرن الرابع للميلاد هي أوسع اللغات السامية انتشاراً واللغة العالمية التي تحتل المرتبة السادسة عالمياً من حيث عدد الناطقين بها بعد المندرين الصينية والهندية والإسبانية والإنكليزية والبنغالية. والعربية اليوم هي اللغة الرسمية في 25 دولة وهي بالطبع لغة الشريعة الإسلامية ولهذا فهي عند المسلمين "لغة أهل الجنة."

غير أن العربية أبعد ما تكون عن اللغة الجامدة بل هي لغة فيها الكثير من اللهجات والأصول حيث تتنوع إلى ما يصل 27 لغة محكية متفرعة عنها. وأبرز هذه اللهجات هي اللهجة المصرية التي يتحدث به 80 مليوناً ولهجة الخليج التي يستخدمها 34 مليوناً ولهجة العراق التي يستخدمها 29 مليوناً ولهجة بلاد الشام التي ينطق بها 35 مليوناً ولهجة المغرب العربي التي يستخدمها قرابة 45 مليوناً.

وقد أنجز صديقي الكاتب والباحث حبيب سلوم مهمة مضنية بالتعاون مع زميله الراحل جيمس بيترز حينما درس 500 ألف كلمة من اللغة الإنكليزية واكتشف قرابة 3 آلاف جذراً وحوالي 5 آلاف من مشتقاتها لها علاقة بالعربية، ومن بينها 500 كلمة يستخدمها الناطقون بالإنكليزية في حياتهم اليومية. ومن بين هذه الكلمات:

“alchemy”، “alcohol”، “algebra”، “arsenal”، “arsenic”، “cotton”، “crimson”، “crocus”، “camel”، “elixir”، “gazelle”، “giraffe”، “hazard”، “jar”، “lake”، “lilac”، “lime”، “lute”، “magazine”، “massacre”، “mattress”، “mohair”، “nadir”، “shrub”، “sofa”، “spinach”، “syrup”، “saffron”، “tabby”، “typhoon”، “zenith”، “zero”.

يتحدث حبيب سلوم في مقالة له بعنوان "المؤثرات العربية في اللغة الإنكليزية" عن إغناء العربية للإنكليزية بقوله:

"قصة دخول هذه المفردات إلى اللغة الإنجليزية قصة ساحرة. في فجر الإسلام في القرن السابع للميلاد، أصبحت اللغة العربية والدين الإسلامي توأمان لا ينفصلان. ومع تقدم جيوش المسلمين في شمال إفريقيا ومنها إلى شبه الجزيرة الأيبيرية، انتشرت لغة العرب انتشار النار في الهشيم. واحتضنت جموع المسلمين الجدد في كثير من الحالات لغة الفاتحين من أبناء القبائل وكأنها لغتهم هم. ولم تمض سوى بضع عقود حتى أصبحت العربية لغة الفكر التي وحدت العالم الإسلامي الجديد."

"العلماء والأدباء في مشرق الأرض ومغربها أصبح مطلوباً منهم معرفة العربية إذا ما أرادوا وضع مؤلفات في الفنون والعلوم. وفي تلك المرحلة، كانت الأندلس تنتج من المؤلفات العربية أكثر مما تنتجه كل أوروبا بكافة لغاتها. وأصبحت المكتبات العربية في الأندلس، وبعضها وصلت مقتنياتها إلى ما يزيد عن نصف مليون كتاب، لا نظير لها في كل العالم المسيحي آنذاك."

"ومن هناك بدأت المفردات العربية تنساب في السنوات اللاحقة إلى الإنكليزية عبر لغات وسيطة أخرى مثل الفرنسية والبرتغالية. كما دخلت للإنكليزية خلال الفترة والممتدة بين القرن الثامن عشر والقرن العشرين حينما وسعت بريطانيا إمبراطوريتها الكثير من المفردات العربية عبر إفريقيا والشرق الأوسط وشبه القارة الهندية. وحتى بعد زوال الاستعمار، استمر تدفق المفردات العربية إلى الإنكليزية."

واليوم تتضمن اللغة الإسبانية حوالي 4 آلاف مفردة عربية وألفاً أخرى ذات جذور عربية، مثل “berengena” (الباذنجان) و“aceite” (زيت) و“alcalde” (المحافظ). هذا بالإضافة إلى مئات من أسماء المدن والمواقع المشتقة من الأسماء العربية وخصوصاً في بلنسيا والأندلس. ولا ننسي أن رأس جبل طارق القريب منها هو اسم عربي أيضاً.

أما المفردات العربية المستخدمة في اللغة الفرنسية فقد دخلتها بشكل رئيسي من المغرب أثناء الاحتلال الفرنسي في القرن التاسع عشر وتتضمن كلمات مثل “divan” و“chiffre” و“carat” و“hammam” و“lemonade” و“moiré” و“riz” و“raquette”.

وبدورها ظلت اللغة التركية حافلة بالمفردات العربية حتى 1932 حينما بدأ مصطفى كمال أتاتورك برنامجه لتبسيط اللغة لتقليل الأمية في البلاد وألغى الكثير من المفردات الفارسية والعربية ليأتي محلها بمفردات تركية. ومع ذلك فإن الكثير من الكلمات العربية ما تزال مستخدمة مثل “insan” (إنسان) و“hakim” (قاضي) و“kalb” (قلب) و“shark” (شرق) و“madrassah” (مدرسة).
 
ولكن المفاجئ هو أن حوالي 40 في المئة من مفردات اللغة المالطية هي ذات جذور عربية وبينها كلمات يسهل التعرف إلى أصلها العربي مباشرة مثل “ragel” (رجل) و“dar” (دار) و“saif” (صيف) و“qalp” (قلب) و“waqt” (وقت) و“qamar” (قمر) و“kelp” (كلب).

وتعود أصول اللغتين الهندية والأوردية إلى اللغة السنسكريتية القديمة غير أنهما استوعبتا الكثير من المفردات العربية والفارسية التي تشكل حوالي 30 إلى 40 في المئة من تلك اللغة القديمة. كما يقال إن الاندونيسية المعاصرة فيها حوالي 3 آلاف كلمة عربية.

وفي المقابل ومثلما استعارت لغات عديدة الكثير من المفردات العربية فإن العربية أيضاً أخذت الكثير من المفردات من لغات كثيرة أخرى مثل السنسكريتية واليونانية والفارسية إلى جانب اللغات الأوروبية المعاصرة. وفي زماننا الحالي يمكنك أن تسمع كلمات من مثل مول (mall) وأوتيل (hotel) وكابوتشينو (cappuccino) وموبايل (mobile) وتكنولوجيا (technology) وكمبيوتر (computer).

ومع اقتراب عالمنا من بعضه أكثر ومضينا أبعد نحو قرية عالمية في القرون المقبلة فإن لغاتنا المختلفة ستصبح أكثر اندماجاً مع بعضها إلى حد ما لتكون أسهل على غير الناطقين بها. وأختم بذلك المثل الجميل الذي قالته لي سيدة تركية ذات مرة وهو (لغة إضافية تعني أصدقاء جدد).
 


 | الصفحة الرئيسية | مجموعة الحبتور | فنادق متروبوليتان | دياموندليس لتأجير السيارات | مدرسة الإمارات الدولية
الملكية الفكرية 2003 محفوظة لمجموعة الحبتور
| جميع الحقوق محفوظة
لايجوز إعادة نشر المقالات والمقتطفات منها والترجمات بأي شكل من الأشكال من دون موافقة مجموعة الحبتور
الموقع من تصميم ومتابعة الهودج للإعلانات ـ دبي هاتف: 2293289