يكمن السبب الرئيسي في التحول بالتركيز نحو الثقافة نابع من الظروف الاقتصادية الاجتماعية المعقدة التي تمر فيها دول الخليج العربي والإمارات العربية المتحدة على وجه الخصوص في يومنا هذا.

الهدف الذي تعمل الإمارات اليوم على تحقيقه هو إرساء قواعد التنمية المستدامة. وفي مسعاها لتحقيق هذا الهدف طورت الدولة صناعة خدمات من أعلى مستوى ووسائل مواصلات جوية وبحرية ممتازة تصلها بكل أرجاء العالم إلى جانب شبكة طرق برية عالية الجودة. كما تحقق قفزات في تطوير قطاعي الصحة والتعليم.

وبالتوازي مع هذه البنى الأساسية المتطورة تتمتع الإمارات بقدر كبير من الأمان الاجتماعي ومستوى مرتفع من الأمن وهو ما يجعلها مكاناً جذاباً للعيش والعمل فيه. وعليه تتضافر جهود كل المؤسسات الحكومية الاتحادية والمحلية لتجعل من الدولة مركزاً عالمياً للأعمال والتجارة والسياحة.

الثقافة والتنمية

كانت الثقافة في العقد الماضي أو نحو ذلك تعتبر مجرد جزء من التفكير التنموي وذلك حينما قدمت المفوضية العالمية للثقافة والتنمية تقريرها المعنون "تنوعنا الخلاق" لمنظمة اليونسكو والأمم المتحدة عام 1995. وكانت خلاصة التقرير هي أن "التنمية حينما تكون منفصلة عن سياقها البشري أو الثقافي هي بناء بلا روح. والتنمية الاقتصادية في أرقى أشكال ازدهارها تكون جزءاً من ثقافة الشعب."

ولهذا فإن السؤال التالي هو في جوهر العملية التنموية: ما هي السياسات الداعمة لتنمية مستدامة تشجع على "ازدهار" ثقافات مختلفة؟ وهذا السؤال يقودنا إلى مفهوم التنمية البشرية وهو أكثر ما يهمنا والذي يشير إلى الفرد الذي يعتبر الهدف الجوهري للتنمية والوسيلة الأساسية لإنجازها في آن واحد. إذ أن عمالة متعلمة وعفية وتتمتع بالحافز هي أكثر الأصول إنتاجية في أي مجتمع.

في عالمنا المعاصر يعيش الناس معاً لأسباب عديدة ويمكن للثقافة أن تكون عنصراً جامعاً بين هؤلاء بما يجعل العملية التنموية قابلة للتطبيق. ونحن ننظر إلى التنمية والاقتصاد باعتبارهما جزءاً من الثقافة، وبالتالي فإن الثقافة لا تشكل فحسب وسيلة للتقدم المادي وإنما هدفاً بحد ذاتها فيما "التنمية" تعتبر وجوداً مثل أي كل متكامل.

ما هي الثقافة؟

في بدايات الجدل الفكري حول الثقافة كان المصطلح يشير غالباً إلى كل ما هو نقيض للطبيعة، أي أن الثقافة كانت تعني كل ما هو مكتسب أو مبني بالإرادة الواعية للإنسان فيما الطبيعة هي شيء مكتسب أو معطى للإنسان دون تدخل منه.

ومصطلح الثقافة له تعريفات عديدة منها:

الموضوعي: تشتمل الثقافة على كل ما يمكن إدراجه في قائمة الموضوعات أو التصنيفات مثل التنظيمات الاجتماعية أو الأديان أو غير ذلك.
التاريخي: الثقافة هي التراث الاجتماعي الذي تتناقله الأجيال.
السلوكي: الثقافة هي أي سلوك إنساني أو طريقة حياة مكتسبين وعامين.
العرفي: الثقافة هي المثل والقيم والقواعد التي يعيش الناس وفقها.
الوظيفي: الثقافة هي الطريقة التي يحل بها الناس مشكلاتهم ويتكيفون فيها مع بيئتهم أو يعيشون وفقها مع بعضهم.
الذهني: الثقافة هي مزيج معقد من الأفكار والعادات المكتسبة التي تميز البشر عن باقي المخلوقات.

من الصعب اعتماد تعريف واحد موحد للثقافة. وإن كان ولا بد من ذلك فإننا نفضل تعريفها بأنها مجموعة من السمات الجماعية، أي القيم والمعتقدات الأساسية المشتركة التي تتصف بالحركية والتغير مع الزمن.

قوة الثقافة

نعيش حالياً في عالم يتميز بقيمته المضافة ثقافياً. وهناك جانبان يوضحان هذا الأمر وهما:

• الإبداع: الإبداع يمكننا من إعادة ابتكار حياتنا اليومية وإعادة ابتكار معانيها واستجاباتنا لها ولإعادة تشكيل وتصميم مستقبلنا. وهو يوحد الناس على مبادئ رئيسية تتمثل في التنوع غير المحدود والقيم العامة. ويكمن الأمل في المستقبل على القدرات غير المحدودة على الخيال الإبداعي.
• التفاعل: كل إنسان يستفيد من لغات متعددة ويتفاعل مع أناس من خلفيات وجنسيات مختلفة فإنه يعتمد على مواردهم الثقافية وعلى قدرته على التواصل مع محيط من التنوع الثقافي.

إن ما هو مطلوب لتتحقق قوة الثقافة هو الحرية الثقافية ولهذا يؤكد تقرير اليونسكو على أهمية الحرية الثقافية باعتبارها شرطاً لتحقق قوة الثقافة كما يؤكد التقرير على أن حرية الثقافة ليست تماماً مثل باقي الحريات لأن معظم الحريات هي حريات فردية أما الحرية الثقافية فهي حرية جماعية تشير إلى حق الناس في أن تعتمد أو تتبع طريقة حياة تختارها بنفسها.

1. الثقافة والعولمة

العولمة عملية تؤثر على كل جانب من جوانب عالمنا المعاصر. وهي عملية تتبدى في نمو وتوسع الشركات العالمية بحثاً عن أسواق العالم واقتصادات الحجم مثل أسواق العمالة العالمية التي لا تحسب حساباً للحدود الو\نية.

كما أن التقدم الذي أحرزته وسائل المواصلات والاتصالات الحديثة قد قلصت من اتساع وأبعاد العالم. وبظهور الإنترنت أصبح الاتصال والتواصل بين الثقافات "على بعد نقرة زر." والانتشار العالمي للحريات الثقافية هو بأهمية الحريات الاقتصادية تماماً. غير أن عولمة العمليات الثقافية يستتبع أيضاً اختفاء ثقافات أخرى، وهي ثقافات المجتمعات التي لا تتمتع بأي نفوذ في المجتمع الدولي.

والعولمة تتكون من عنصرين مكونين لها: هؤلاء الذين "يعولمون" والآخرون الذين "يتعولمون". ونطمح في الإمارات، بالنظر إلى موروثنا الثقافي القوي، أن نكون في خانة من "يعولمون" وسنعمل بكل ما لدينا من طاقة لئلا نكون في خانة من "يتعولمون." سنعمل جاهدين لنتجاوز تلك النظرة التنموية التي لا ترى في التنمية أكثر من تحقيق الإنجازات على صعيد الاقتصاد الكلي.

2. الثقافة والتعليم

التعليم قضية ضرورية ليس لتناقل الثقافة ونشرها فحسب بل أيضاً لتمهيد الأرضية اللازمة للتجدد المتواصل. ولا يجادل أحد في أن التعليم أداة جوهرية لمواجهة اثنين من أكثر التحديات ضخامة وهما دعم التنمية المستدامة وتشجيع ثقافة التعايش السلمي. أما أكثر الواجبات المعلقة على العملية التربوية في وقتنا الحاضر فتتمثل فيما يلي:

• توفير التعليم مشفوعاً بإحساس الانفتاح والتفهم تجاه الآخرين وتنوعهم الثقافي والتاريخي وإنسانيتهم التي نشاركهم بها.
• تعليم أهمية رفض العنف واعتماد الوسائل السلمية لحل الخلافات والنزاعات.
• الدعوة لرفض منطق القوة وتبني قوة المنطق.

إن هذه المبادئ تعتبر ضرورية لممارسة الإبداع والابتكار. وهذا ما لا يمكن تحققه ما لم نكن لدينا الالتزام القوي تجاه مبادئ "توفير التعليم للجميع عبر ثقافة الحياة للجميع طوال الحياة."

وفي النتيجة، يؤكد تقرير اليونسكو الختامي بخصوص السياسات الثقافية، لإبراز القضايا المهمة للسياسات التربوية، على ما يلي:

• يجب تفعيل السياسة الثقافية بالتنسيق مع السياسات المتبعة على باقي الصعد الاجتماعية ضمن منهج متكامل.

• يجب على السياسات الثقافية الموضوعة لحاضرنا أن تتعامل مع المشكلات الحالية المزمنة وتتنبأ بالمشكلات المستقبلية.

• إن المشاركة الفاعلة في مكونات مجتمع المعرفة والإمساك بزمامها مسألة مهمة لأي سياسة ثقافية.

وختاماً، فإن تقليص الانفصام بين الثقافة والتعليم والإسراع في جعل الثقافة عنصراً مكوناً لكل مناهجنا التعليمية على كافة المستويات هو مسألة شديدة الأهمية لتحقيق عملية التنمية المستدامة. وحينما نرى في الثقافة الأساس المطلوب للتنمية وحينما تصبح الثقافة ملهماً لسياساتنا التنموية الثقافة ومؤثراً عميقاً فيها يمكن للحكومات حينها أن توفر الأموال اللازمة لتوسيع سياساتنا التعليمية بهدف تحقيق هذه الأهداف.
 


 | الصفحة الرئيسية | مجموعة الحبتور | فنادق متروبوليتان | دياموندليس لتأجير السيارات | مدرسة الإمارات الدولية
الملكية الفكرية 2003 محفوظة لمجموعة الحبتور
| جميع الحقوق محفوظة
لايجوز إعادة نشر المقالات والمقتطفات منها والترجمات بأي شكل من الأشكال من دون موافقة مجموعة الحبتور
الموقع من تصميم ومتابعة الهودج للإعلانات ـ دبي هاتف: 2293289