هواجس وشكوك لا بد من محاصرتها
بقلم  خلف أحمد الحبتور
 

كنا نتابع من دبيّ ومن مجلسي ، أنا وعدد من الأصدقاء ، اللحظات الأخيرة لإنتاج التسوية اللبنانية في قطر. وكنا قبلها ولأيام عديدة قد تابعنا مجريات أحداث بيروت الأخيرة وبحضور الأصدقاء نفسهم تقريباً...لاحظت إنبعاثاً غريباً ، وتأجيجاً غير طبيعي لأزمة الإنقسام أو بالأحرى محاولات الإنقسام التي تطل بقرنها من هنا وهناك في بعض أنحاء العالم العربي والإسلامي...لقد إستعملت مصطلحاً مخففاً في التعبير عن الإنقسام وأكدت أنه "محاولة إنقسام" ربما لخشيتي ، ولإيماني بأن هذا الإنقسام هو محاولات وليست واقعاً ، وإنه إسقاطات لن تلبث أن تتلاشى أدراج الريح...



صحيح أن هذه المحاولات يتم تسويقها تحت ذرائع كثيرة ، وتحت ستار كثيف من التعبئة والتجييش ، والإستنهاض للماضي ، إلا إنني ولا أدري لماذا أنا على ثقة أكيدة بأن كل هذه المحاولات ستسقط أمام الحقيقة الناصعة ،هذه المحاولات قد تبرز هنا ، أو تتطاول هناك في عالمنا العربي ، إلا أنها وفي المحصلة النهائية ستنهار ، وقد يتطلب ذلك بعض الوقت ، ولكن لا بأس... فالإنقشاع آت لا ريب فيه...

أعود الى تلك الأمسيات التي كنا نتابع فيها ، أنا وعدد من أصدقائي وعبر شاشات التلفزة ، أحداث لبنان الأخيرة ، لأقول أنه هالني ما سمعت ، وتروعت مما شاهدت ، وأصابني الذهول مما أحسست ، ولا أتكلم هنا عن مجريات ما كان يحدث من إقتتال بغيض ، فهذه مسألة عارضة إذا ما قيست بما حفرته هذه الأحداث في نفوس الكثير من اللبنانيين الذين إستضافتهم وسائل الإعلام...

فالكلام المذهبي كان يطفو بشكل مخيف على السنة ووجوه وتعابير الناس ، وهذا ما جعلني أعود الى الوراء بضع سنين ، لأستحضر في خاطري ، وبما يشبه الرؤيا ، ما عشته في لبنان ، إستعدت أسماءاً وملامح لأصدقاء وجيران لم أكن حتى اللحظة أدري ما هي دياناتهم ، وما هي طوائفهم ، ليس فقط لأنني أنا شخصياً أنتمي الى مدرسة عربية وقومية وإنسانية تتجاوز الطوائف والمعتقدات أو على الأقل لا تعطيها أي حيز في العلاقات البشرية ، على الرغم من فرط إيماني وتمسكي بما أنا عليه من إسلامي بل لأن واقع لبنان قديماً كان على هذا النحو ؛

أما بالنسبة لنا نحن أبناء الإمارات ننتمي الى الإسلام ، ونحن نفتخر بإسلامنا ، لا بل وأؤكد بأننا وحتى اللحظة لا نشعر بأية فروقات فيما بيننا ، كنا ومازلنا نعيش مع بعضنا كعائلة واحدة ونستغرب كثيراً لاستخدام العبارات المستحدثة كسني وشيعي، لأننا لم نكننسمع بتعبير شيعي، الذي كنا نسميه "بحراني" ، وكنت أنا ورعيلي في عهد الطفولة نعتقد أن مصطلح بحراني هو نوع من الإنتماء الى منطقة أو تجمع سكني.

توارد الى ذهني ، وقد شردت عن سمّار جلستي سؤالاً أبقيته طي الكتمان إلا أنه أخذ حيزاً من تفكيري ، لماذا الأن أصبح هذا التموضع المذهبي في الإسلام مطروحاً وفي أكثر من منطقة من عالمنا العربي...هل هو لسبب مناطقي ؟ هل هو لسبب قومي... هل أن عوامل ورياح التفتيت قد أصبحت أقوى من توحدنا المعتقدي...أم أن هناك أسباباً أخرى تسعى الى النيل من المنطقة العربية تحت ستار الإفتعالات العصبوية تمهيداً لإحداث شروخات على مستوى العالم العربي.

سأكون واضحاً وصريحاً ومباشراً ، ولن يكون هناك أي تورية في كلامي لأنني وبحكم خليجيتي ، وإيماني الإسلامي ، لا أريد ولا أقبل ، ولا أرضح لما يحدث حتى على مستوى السجال الكلام ، أو الإفصاح المستفز عن الإنتماء الى السنية أو الشيعية ، فالوعي الخليجي تأسس على "كلمة مسلم" ومسلم فقط دون أي شيء آخر.



هذا بالنسبة لنا كإمارتيين خليجيين عرب أما بالنسبة لجيراننا في إيران فقد تقاسمنا معهم حسن الجوار والتجارة والعلاقات الطيبة على الرغم مما يشوبها أحياناً وخاصة إحتلال الجزر الإماراتية الثلاثة في عهد الشاه ... الراحل محمد رضا بهلوي...
إلا أنه ومع تغيير الحكم في إيران أقول بصراحة أننا إستبشرنا خيراُ ، وإعتقدنا أن عهداً جديداً من الألفة والمحبة وإحترام السيادات والحدود ، سيرى النور مع التغيير الذي حصل ، خاصة وأن حكام إيران الجدد قد طرحوا شعارات وجدت الصدى الإيجابي لدى العرب كل العرب حول إلتزامهم بضرورة إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية وللشعب الفلسطيني الذي يشكل أمانة في عنق كل عربي حتى عودته الى أراضيه بكرامته وقدراته ،
إلا أن الذي حدث وعلى الرغم من الترحيب العربي والخليجي خاصة بإحترام الشعب الإيراني لأشكال حكمه وقيادته ، الذي حدث أو بالأحرى فالواقع ومع مرور السنوات وجدنا أنفسنا أمام ما يلي:

أولاً: إستمرار إحتلال الجزر الإماراتية الثلاثة وتزوير التاريخ عبر إسقاط إسم الخليج
ثانياً: تعريض منطقة الخليج وأمنها ، الى نوبات مغامرة بين الفينة والأخرى...
ثالثاً: إنفجار الصراع المذهبي في العراق بين السنة والشيعة.
رابعاً: فتنة كادت لا تبقي ولا تذر في لبنان وأيضاً بين السنة والشيعة.
خامساً: إنقسام حاد في فلسطين بين مؤيدين لإيران ومؤيدين لجهات أخرى.
العربي عن خليجنا وتسميته بتسميات طارئة.

إنني هنا لست بصدد توجيه الإتهامات لجيراننا الإيرانيين بكل ما جاء أعلاه (عدا إحتلال جزرنا بالطبع) ، ولكن ما أعتقده أنه يجب عليهم أن يمارسوا نفوذهم السياسي والإقتصادي لتوحيد ورأب الصدع بين جميع المسلمين والتقرب من جيرانهم العرب ، وأنا من شأني كشأن كل أهل الخليج العربي نسعى الى أمتن وأصلب وأصح العلاقات معهم لا بل مع العالم كله ،

لذا أقول بصراحة أن لكل دولة ، ولكل شعب الحرية في إعتناق شكل الحكم الذي يريده ، إلا أنه ليس له الحرية في فرض أو تصدير نهج حكمه الى البلدان المجاورة ، أو إستنباش عوامل الإنقسام التاريخية والمزمنة ، فالأحرى بكل الدول والأنظمة أن تفتش وتبحث عن عوامل التقارب والتعاون والتكاتف وليس إستعادة الإنقسامات الغابرة والتارات الممجوجة والتدخل لفرض إتجاهاتها السياسية على شعوب أخرى...

سأكتفي بهذا القدر حول هذا الموضوع ، وعلي رغبة في أن يستمع اليه جيراننا الإيرانيون ، بكل رحابة صدر لأنني لا أبغي من إثارة هذا الموضوع إلا التنبيه في خطورته ، وضرورة سلوك العلاقات فيما بيننا نحن في الخليج مع الجمهورية الإسلامية مساراً جديداً يسوده الإحترام والعلاقات الجيدة والجوار الطيب. وتدليلاً على حسن نيتي ورغبتي الصادقة في إجتراح واقع جديد في العلاقات ، سأفترض أن الصدفة وحدها قد أثارت هذه الكمية من التداعيات على مستوى الإنقسام الديني آملاً بأن تحمل هذه "الصدفة" عينها عوامل التغيير والتوحد.
 

 


 | الصفحة الرئيسية | مجموعة الحبتور | فنادق متروبوليتان | دياموندليس لتأجير السيارات | مدرسة الإمارات الدولية
الملكية الفكرية 2003 محفوظة لمجموعة الحبتور
| جميع الحقوق محفوظة
لايجوز إعادة نشر المقالات والمقتطفات منها والترجمات بأي شكل من الأشكال من دون موافقة مجموعة الحبتور
الموقع من تصميم ومتابعة الهودج للإعلانات ـ دبي هاتف: 2293289